Between “The Path of Achievements” and the Scale of Reality: When Political Discourse Bets on the Verdict of History
اختار رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش أن يضع حصيلة العمل الحكومي في ميزان الزمن، معتبراً أن “التاريخ هو الذي سينصف هذه الحكومة”، ومؤكداً أن الانتقادات، مهما بلغت حدّتها، لن توقف ما يصفه بمسار إصلاحي تقوده أغلبية منسجمة ومتماسكة.
هذا الموقف، الذي جاء خلال المحطة الختامية للجولة التواصلية لحزب التجمع الوطني للأحرار تحت شعار “مسار الإنجازات” بمدينة طنجة، يعكس ثقة سياسية واضحة في الخيارات المعتمدة، لكنه يفتح، في المقابل، نقاشاً أوسع حول طبيعة الحصيلة التي يُراد للتاريخ أن يحكم عليها، وحول المسافة القائمة بين الخطاب الرسمي حول الإنجاز، والواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه فئات واسعة من المواطنين.
يرتكز خطاب رئيس الحكومة على فكرة الاشتغال في “ظروف صعبة” واتخاذ “قرارات شجاعة”، في إحالة مباشرة على سياق دولي موسوم بتداعيات الجائحة، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل التوريد. غير أن هذا التأطير، رغم وجاهته من حيث السياق العام، يظل غير كافٍ ما لم يُرفق بتقييم دقيق لنتائج هذه القرارات على مستوى المعيشة اليومية، والقدرة الشرائية، ومدى حماية الفئات الهشة من كلفة التحولات الاقتصادية.
فالحديث عن الصمود الاقتصادي لا يكتسب معناه الكامل إلا حين ينعكس في مؤشرات اجتماعية ملموسة، لا حين يظل محصوراً في توصيف عام للسياق أو في الدفاع السياسي عن الاختيارات الحكومية.
وفي السياق ذاته، يؤكد أخنوش أن المؤشرات الاقتصادية “إيجابية ومشجعة”، متوقعاً بلوغ نسبة نمو في حدود 5 في المائة، معتبراً أن هذه الدينامية ستُسهم في تقليص العجز وتحسين وضعية الميزانية، بما يسمح بتوسيع دائرة الدعم الاجتماعي.
غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا النمو، ومصادره، وقدرته الفعلية على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
فالاقتصاد لا يُقاس فقط بمعدلات النمو، بل أيضاً بمدى عدالة توزيع ثماره، وبقدرة السياسات العمومية على تحويل التحسن الماكرو-اقتصادي إلى أثر اجتماعي محسوس لدى الأسر التي ما تزال تعاني من استمرار الغلاء وضغط تكاليف العيش.
ويضع رئيس الحكومة “الدولة الاجتماعية” في صلب خطابه السياسي، معتبراً أن قوة الاقتصاد هي شرط قيام دولة اجتماعية قوية.
غير أن هذا الربط، في حد ذاته، يظل رهيناً بمدى نجاعة آليات الاستهداف، ووضوح معايير الدعم، وقدرة البرامج الاجتماعية على بلوغ مستحقيها دون هدر أو إقصاء. وهنا ينتقل النقاش من مستوى النوايا المعلنة إلى مستوى السياسات الملموسة، ومن خطاب الأولويات إلى اختبار النتائج، وهو اختبار لا تحسمه الشعارات بقدر ما تحسمه الوقائع الميدانية.
وعلى مستوى الأغلبية الحكومية، يشيد أخنوش بتماسك مكوناتها، معتبراً أن هذا الانسجام أعاد الاعتبار للعمل الحكومي وساهم في تنزيل البرنامج المتفق عليه.
غير أن هذا التقديم الإيجابي يطرح، في الآن نفسه، سؤال طبيعة هذا الانسجام: هل هو تعبير عن توافق سياسي وبرامجي حقيقي، أم نتيجة تدبير الخلاف خارج الفضاء العمومي، بما يقلّص منسوب النقاش السياسي المفتوح؟ فالانسجام، في التجارب الديمقراطية، لا يُقاس فقط بغياب الصراع داخل الأغلبية، بل أيضاً بقدرتها على تقبّل النقد، وإدارة الاختلاف بشفافية، وفتح نقاش عمومي مسؤول حول الاختيارات الكبرى.
وحين يراهن رئيس الحكومة على حكم التاريخ، فإنه يستحضر زمناً مؤجلاً بطبيعته.
غير أن منطق الحكامة الديمقراطية يقوم، أساساً، على المحاسبة الآنية، وربط المسؤولية بالنتائج، ومساءلة السياسات العمومية في زمنها، لا بعد انقضائها.
فالتاريخ قد يُنصف أو لا يُنصف، لكن المواطن يحاكم السياسات اليوم من خلال أثرها المباشر على حياته اليومية.
وبين خطاب الإنجاز وانتظارات المجتمع، تبقى المسافة التي يتعيّن على العمل الحكومي تقليصها بالفعل الملموس، لا بالاكتفاء بسردية النجاح.
