عاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى واجهة المشهد السياسي بخطاب واثق، أعلن فيه أن الحزب “استعاد عافيته” وأنه يتصدر الساحة السياسية، معتبراً أن ما تبقى أمامه هو “تثبيت النصر”، وذلك خلال لقاء عقدته الأمانة العامة للحزب نهاية الأسبوع.
تصريحات بنكيران، وإن جاءت محاطة بتحفّظ ديني تقليدي يؤكد أن “الغيب لا يعلمه إلا الله”، حملت في عمقها رسالة سياسية واضحة مفادها أن الحزب يستعد مبكراً لمعركة انتخابات 2026، ويطمح إلى صدارة النتائج، مستنداً إلى ما يعتبره عودة للزخم التنظيمي والتعبوي داخل صفوفه.
وأكد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أن عدد المقاعد البرلمانية يظل عاملاً حاسماً في التأثير على القرار السياسي، ما يفرض، بحسب تعبيره، العمل الجاد من أجل تصدر الاستحقاقات المقبلة.
كما شدد على أن الحزب “لا يعوّل على المال ولا على السلطة”، بل على “الله أولاً ثم على المواطنين والمواطنات”، في استعادة لخطاب أخلاقي لطالما شكّل أحد مرتكزات هوية الحزب السياسية.
وفي سياق رسم معالم التمايز داخل المشهد الحزبي، صنّف بنكيران الأحزاب إلى ثلاثة أصناف: أحزاب تحمل المبادئ وتدافع عنها، وأخرى جاءت من أجل الفرص، وثالثة “لا تفهم كل هذا”، معتبراً أن حزب العدالة والتنمية ينتمي إلى الصنف الأول، وأنه “جاء من أعماق التاريخ ويدافع عن هويته”.
كما ربط مواقف الحزب بما وصفه بقناعات ثابتة لا تخضع للمجاملة، داعياً إلى النهوض في مواجهة الحكومة، وما سماهم “أتباع الاستعمار” الذين يروجون، وفق تعبيره، لأفكار تستهدف اللغة العربية لصالح الفرنسية والدارجة.
غير أن هذا الخطاب، رغم قوته التعبوية، يفتح نقاشاً أوسع حول مدى قدرته على التحول إلى عرض سياسي جامع، يتجاوز دائرة الأنصار التقليديين نحو استقطاب فئات أوسع من الناخبين.
فالإعلان عن “استعادة العافية” يظل، في نظر متابعين، محتاجاً إلى ترجمة عملية في البرامج والمواقف، خاصة في ظل تصاعد انتظارات اجتماعية واقتصادية تتصدرها قضايا المعيشة، والتشغيل، وجودة الخدمات العمومية.
أما استحضار ملف الهوية واللغة، فيأتي في سياق سياسي واجتماعي معقّد، تتقاطع فيه الأسئلة الثقافية مع رهانات التنمية والعدالة الاجتماعية، ما يجعل من هذا الطرح عنصر تعبئة مهم، لكنه غير كافٍ بمفرده لصناعة التفاف انتخابي واسع.
وبين منطق التعبئة المبكرة ومنطق التنافس الانتخابي الفعلي، يضع بنكيران وحزبه أنفسهم مجدداً في قلب النقاش السياسي.
غير أن الرهان الأساسي، مع اقتراب موعد 2026، سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة الحزب على إقناع الرأي العام بأن حضوره المقبل في المشهد السياسي سيكون محكوماً برؤية واضحة وأجوبة ملموسة عن الأسئلة التي تشغل المواطنين، وليس فقط بقوة الخطاب وحدّته.
