ليس كل حرمان صاخباً بعضه يتسلّل في صمت، مثل قنوات الماء التي تعبر بمحاذاة البيوت دون أن تنعطف نحوها.
وضع يبدو عادياً لمن يراه من بعيد، لكنه يصبح مربكاً حين يتحوّل الصمت إلى قاعدة، والانتظار إلى أسلوب عيش دائم.
هذا ما أعاد إلى الواجهة سؤالاً كتابياً وجّهته النائبة البرلمانية فاطمة التامني إلى وزير الداخلية، بخصوص وضعية عدد من دواوير جماعة سيدي عبد الكريم بإقليم سطات، التي ما تزال محرومة من الماء الصالح للشرب، رغم مرور قنوات التزويد بمحاذاتها.
السؤال لا يتهم، ولا يرفع منسوب الخطاب.
يكتفي بوضع واقعة يصعب تجاوزها: شبكة قائمة، تجهيزات موجودة، وماء لا يصل مفارقة بسيطة في ظاهرها، لكنها ثقيلة في معناها، لأنها تمس حقاً يُفترض أنه محسوم، لا موضوع تفاوض أو تأجيل.
وحسب المعطيات الواردة في السؤال البرلماني، فإن غياب الربط بالماء الصالح للشرب أجبر الساكنة، بمن فيهم النساء والأطفال، على الاعتماد على وسائل تقليدية وشاقة لجلب الماء، بما ينعكس مباشرة على شروط العيش، والصحة، والتمدرس. واقع لا يحتاج إلى توصيف درامي، لأن تفاصيله اليومية كافية لطرح السؤال.
الأكثر إثارة للتساؤل ليس فقط استمرار هذا الحرمان، بل السياق الذي يحدث فيه.
فالمنطقة نفسها تتوفر على مرافق عمومية وبنيات خدمية مربوطة بشبكتي الماء والكهرباء، من مركز للدرك الملكي إلى محطة وقود وطرق مؤهلة.
كأن الماء يعرف طريقه جيداً… لكنه يختار التوقف قبل بعض الأبواب.
هنا، لا يعود السؤال تقنياً محضاً، بل يصبح سياسياً في جوهره:
كيف تُحدَّد أولويات الربط؟
ومن يقرر أن هذا البيت ينتظر، بينما ذاك يُربط؟
وهل الحق في الماء يُقاس بالمعايير التقنية، أم بكونه حقاً أساسياً لا يقبل التجزئة؟
النائبة البرلمانية لم تكتفِ بالتشخيص، بل تساءلت أيضاً عن مدى علم السلطات الترابية ومصالح وزارة الداخلية بهذا الوضع، وعن الإجراءات التي تم اتخاذها أو المزمع اتخاذها لمعالجته، مطالبة بتوضيح التدابير الاستعجالية والآجال الزمنية الكفيلة بتمكين الساكنة من حقها في التزود بالماء الصالح للشرب.
كما طرحت سؤالاً لا يقل إحراجاً: هل تم إدراج هذه الدواوير ضمن البرامج الجهوية أو الوطنية المتعلقة بتعميم الولوج إلى الماء، خاصة في ظل الإجهاد المائي الذي تعرفه البلاد؟ أم أن بعض المناطق تظل دائماً خارج الخرائط، حتى حين تمرّ القنوات من أمامها؟
في العمق، لا يطرح هذا السؤال البرلماني ملفاً محلياً معزولاً، بل يكشف فجوة أعمق بين إنجاز البنية التحتية وضمان الولوج إليها.
بين ما يُنجز على الورق، وما يُعاش على الأرض. وبين الخدمة كمنشأة، والخدمة كحق فعلي.
لأن الماء، في النهاية، لا يُقاس بعدد الكيلومترات من القنوات، ولا بحجم الاستثمارات المعلنة، بل بعدد البيوت التي لا يصبح فيها الانتظار سياسة.
