Bouanou Warns: Constitutional Supremacy at Risk When a Right Becomes a Procedure
لم يكن النقاش الذي فجّره مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية القوانين مجرد سجال تقني حول مسطرة قضائية جديدة، بل أعاد إلى الواجهة أحد أكثر الأسئلة حساسية في التجربة الدستورية المغربية: إلى أي حدّ يُراد لسمو الدستور أن يكون ممارسة فعلية، لا مجرد مبدأ مؤجل في النصوص؟
في هذا السياق، جاءت مداخلة عبد الله بووانو خلال اليوم الدراسي الذي نظمته المجموعة النيابية للعدالة والتنمية بمجلس النواب، لتضع الإصبع على مكمن التوتر القائم بين روح الفصل 133 من دستور 2011، والصياغة التشريعية المقترحة لتنزيله.
بووانو لم يُخفِ قلقه من المسافة التي تفصل بين الفلسفة الدستورية التي أسست لحق الدفع بعدم الدستورية، باعتباره آلية لحماية الحقوق والحريات، وبين منطق تنظيمي وصفه بالمقيد، يحوّل هذا الحق من أداة دستورية فعالة إلى مسطرة مثقلة بالشروط.
فالفصل 133 لم يُدرج في الدستور كامتياز إجرائي لفئة محدودة، بل كحق عام يتيح للمواطن، عبر القضاء، مساءلة القوانين التي تمس بحقوقه وحرياته.
غير أن المسار الذي قطعه هذا المشروع، وصولاً إلى نسخته الثالثة وبترقيم جديد، بعد سنوات من الأخذ والرد بين السلطتين التشريعية والقضائية، يوحي بأن الإشكال لم يكن تقنياً بقدر ما كان مرتبطاً بطبيعة المقاربة المعتمدة.
فبدل أن يكون الهدف هو تيسير الولوج إلى الرقابة الدستورية، أقامت الصيغة الحالية، بحسب منتقديها، حواجز شكلية وإجرائية بين المتقاضي والدستور، تجعل هذا الحق أقرب إلى إمكانية نظرية منه إلى ممارسة عملية.
اللافت في هذا النقاش هو هيمنة ما سُمّي بـ“منطق الاحتراز”، وهو منطق يطرح أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة.
احتراز من كثرة الدفوع؟ أم من الضغط المحتمل على المحكمة الدستورية؟ أم من تحوّل الدستور إلى أداة حقيقية للمساءلة القانونية والسياسية في ملفات تمس جوهر السياسات العمومية؟ سؤال يكتسي ثقلاً خاصاً في ضوء قرار المحكمة الدستورية رقم 18/70، الذي أشار إلى إشكالية التصفية والفرز، دون أن يمنح بالضرورة مبرراً لتحويل المسطرة إلى متاهة إجرائية تُفرغ الحق من محتواه.
وفي موازاة هذا الطرح النقدي، قدّمت نعيمة فتحاوي، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، قراءة مكمّلة ركّزت فيها على البعد المؤسساتي والحقوقي لهذا الورش الدستوري.
فتحاوي شددت على أن تفعيل الدفع بعدم دستورية القوانين يشكل محطة مفصلية في استكمال البناء الدستوري الذي أرساه دستور 2011، معتبرة أن الرقابة اللاحقة ليست مجرد آلية إجرائية، بل أحد صمامات الأمان الأساسية لحماية الحقوق والحريات في مواجهة النصوص التشريعية ذات الطابع الزجري أو التقييدي.
غير أن تحذيرها من تعقيد المساطر أو تحميلها أعباء مادية وإجرائية يختزل جوهر الإشكال المطروح اليوم: أي معنى لسمو الدستور إذا كان الولوج إليه مشروطاً بالقدرة على تحمّل الكلفة، أو بإتقان مساطر معقدة لا يملك مفاتيحها سوى فئات محدودة؟ فحين يتحول الحق الدستوري إلى امتياز، يفقد جزءاً كبيراً من وظيفته الرمزية والعملية.
الدفع بعدم الدستورية، في جوهره، ليس ترفاً تشريعياً ولا تفصيلاً تقنياً، بل آلية لضبط العلاقة بين السلطة التشريعية والحقوق الأساسية للمواطنين.
وتزداد أهميته في سياق تشريعي يتسم بتنامي القوانين التنظيمية والزجرية، وباتساع تأثير النصوص القانونية على الحياة اليومية للأفراد.
ومن ثمّ، فإن أي تنزيل يُفرغ هذا الحق من فعاليته العملية لا يعني فقط تأجيل ممارسة الرقابة الدستورية، بل إعادة إنتاج منطق يجعل الدستور حاضراً في الخطاب، وغائباً في الواقع.
