When Morocco Unsettled Paris’ Lens: Les Échos and the Trouble with a Success Story
يبدو أن النجاح، حين يأتي من خارج الجغرافيا التي اعتادت بعض الصحف الفرنسية اعتبارها “مركز العالم”، يتحوّل فجأة إلى مشكلة تحليلية، أو إلى ارتباك تحريري يستدعي القلم الساخر لا لفهم الحدث، بل لتقزيمه.
وهذا بالضبط ما وقعت فيه Les Échos وهي تحاول “قراءة” حضور صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن في افتتاح كأس إفريقيا للأمم.
المقال، في جوهره، لم يكن تحليلًا سياسيًا، ولا بورتريهًا صحفيًا بالمعنى المهني للكلمة، بل خليطًا مرتبكًا من التهكم والإيحاء والمقارنات الكسولة، وكأن الجريدة لم تجد ما تقوله عن حدث قاري ناجح تنظيميًا ولوجستيًا، فاختارت الانزلاق نحو الشخصنة، وتحميل الحدث نوايا لم تُعبَّر عنها، بدل الاشتغال على الوقائع الصلبة التي تفرض نفسها في كل صورة وكل مشهد.
منذ السطر الأول، يظهر أن Les Échos لا ترى في حضور ولي العهد أداءً لمهام مؤسساتية واضحة، بل “تعويضًا” عن غياب الملك، و“بحثًا عن شعبية”.
وكأن الدولة المغربية تُدار بمنطق الكرسي الفارغ، وكأن المؤسسات تتبخر بمجرد غياب الملك عن نشاط بروتوكولي. هذه القراءة ليست فقط متسرّعة، بل تعكس فهمًا ناقصًا لطبيعة نظام سياسي قائم على الاستمرارية، وعلى توزيع دقيق للأدوار، وعلى إعداد مؤسساتي هادئ للانتقال منذ سنوات، لا علاقة له بمنطق الارتجال أو ردّ الفعل.
الطريف أو اللافت مهنيًا أن الصحيفة الاقتصادية نسيت قاعدة بسيطة في علم السياسة: الدول الجدية لا تُدار بالمزاج، ولا بالكاميرا، ولا بردود الفعل الظرفية.
في المغرب، حين يغيب الملك محمد السادس عن نشاط رسمي، لا يعني ذلك فراغًا في السلطة، بل يعني أن الدولة تشتغل كما ينبغي لها أن تشتغل: بسلاسة، وببروتوكول مضبوط، وبمؤسسات تعرف أدوارها مسبقًا، لا تنتظر الإشارة من عدسة كاميرا.
أما حديث “الشاب الباحث عن الشعبية”، فيبدو أقرب إلى مادة خفيفة أقرب إلى الصحافة الترفيهية منه إلى مضمون يُفترض أن يصدر عن صحيفة اقتصادية مرجعية.
فولي العهد المغربي لا يحتاج إلى مدرجات الملاعب ليصنع شرعيته، ولا إلى التصفيق ليؤكد موقعه داخل الدولة.
الشرعية، في الملكيات العريقة، لا تُبنى بالهتافات ولا باللايكات، بل بالمسار،وبالتكوين، وبالاحتكاك المبكر بالملفات الثقيلة، وبالتدرّج داخل منطق الدولة لا خارجها.
ولمن نسي أو تظاهر بالنسيان فالأمير مولاي الحسن ليس وافدًا جديدًا على المشهد الدولي.
فقد مثّل المغرب في محطات دبلوماسية دقيقة، وجلس إلى قادة دول، وحضر قمم رسمية، واطّلع عن قرب على آليات الحكم وصناعة القرار. غير أن Les Échos اختارت تجاهل كل ذلك، لأن الاعتراف به يُربك زاوية المقال، ويُفسد السردية السهلة والمريحة: “أمير شاب، كرة قدم، كاميرات، بحث عن شعبية”.
السخرية الحقيقية أن الجريدة نفسها، حين يتعلّق الأمر بورثة السلطة في بلدان أخرى، تتحدث بلغة مختلفة تمامًا: “التكوين”، “التحضير”، “الانتقال السلس”، و“الاستمرارية المؤسساتية”.
أما حين يكون الحديث عن المغرب، فالمفردات تتغيّر فجأة: استعراض، صورة، رغبة في القبول الشعبي.
كأن الاستثناء الوحيد في كتب السياسة الفرنسية هو المغرب.
الأكثر دلالة أن Les Échos لم تجد في تنظيم كأس إفريقيا، ولا في جاهزية الملاعب، ولا في التدبير اللوجستي، ولا في الحضور القاري والدولي، ما يستحق التحليل الاقتصادي أو المؤسساتي.
الحدث في حد ذاته لم يُزعجها.
ما أزعجها هو الصورة: صورة دولة إفريقية تنظّم، تستقبل، وتُدبّر حدثًا قاريًا بثقة، دون وصاية، ودون انتظار شهادة حسن سلوك من صحافة باريس.
وهنا مربط الفرس:
حين ينجح المغرب، تبحث بعض الأقلام عن النوايا.
وحين يفشل غيره، تبحث عن الأعذار.
الفرق أن المغرب، في هذه الحالة، لم يكن في حاجة إلى تفسير، ولا إلى تبرير، ولا إلى دفاع.
كان يشتغل بهدوء، والبقية كانت مجرد تشويش تحليلي يفضح قلقه أكثر مما يشرح الواقع.
في النهاية، لم تكشف Les Échos شيئًا جديدًا عن الأمير مولاي الحسن، بقدر ما كشفت عن ارتباك جزء من الصحافة الفرنسية أمام عالم لم يعد يُدار من زاوية واحدة، ولا يُقرأ بعين متعالية.
وربما هذا هو الدرس الحقيقي الذي لم يكن المقال مستعدًا له:
أن العالم تغيّر… حتى لو ظلّت بعض الجرائد تكتبه بأدوات الأمس.
