وضعت الأمانة العامة لـ حزب العدالة والتنمية ملف التعيينات في المناصب العليا في صدارة انتقاداتها لأداء الحكومة، محذّرة من ترسّخ مقاربة وصفتها بالخطيرة، تقوم على منطق القرب والاصطفاف السياسي، بدل الاحتكام إلى معايير الكفاءة والاستحقاق التي يقرّها الدستور، والتي يُفترض أن تؤطّر الولوج إلى مواقع المسؤولية.
واعتبر الحزب، في بلاغه، أن هذا النهج لا يشكّل فقط مساسًا بمبدأ تكافؤ الفرص، بل يضرب في العمق أسس الحكامة الجيدة، ويفرغ المقتضيات الدستورية من محتواها العملي، عبر تحويل مناصب عليا في الدولة إلى امتدادات للانتماء الحزبي، بدل أن تكون رافعات للنجاعة والتدبير الرشيد.
وحذّر البلاغ من أن الاستمرار في هذا الأسلوب يفضي، بالضرورة، إلى إقصاء الكفاءات المؤهلة، وإضعاف فعلي لقدرات الإدارة العمومية، بما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدّمة للمواطنين، وعلى أداء المرافق العمومية، محمّلًا الحكومة المسؤولية السياسية الكاملة عمّا قد ينجم عن هذه الاختيارات من اختلالات تمس الثقة في المؤسسات وتعمّق الإحساس بعدم الإنصاف.
وفي سياق متصل، عبّرت الأمانة العامة عن قلقها البالغ من حالة التخبط والارتباك التي تطبع عملية التسجيل في اللوائح الانتخابية، معتبرة أن هذا الوضع لا يمكن فصله عن غياب رؤية واضحة وتعبئة وطنية جدية استعدادًا للاستحقاقات التشريعية المقبلة، وهو ما يطرح، بحسب الحزب، أسئلة مقلقة حول منسوب الجدية في تدبير محطة ديمقراطية مفصلية.
ودعا الحزب الحكومة إلى تحمّل مسؤوليتها الدستورية كاملة، انسجامًا مع التوجيهات الملكية، من خلال توفير الشروط القانونية والتنظيمية والإعلامية الكفيلة بضمان انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، بدل الاكتفاء بتدبير تقني محدود لا يستحضر الرهانات السياسية والمؤسساتية المترتبة عن هذه الاستحقاقات.
وفي ما يتعلق بالمسار التشريعي، انتقد الحزب ما اعتبره استمرارًا في إهدار الزمن الدستوري، خاصة في ما يتصل بحق المواطنين في الولوج إلى القضاء الدستوري، متهمًا الحكومة بغياب الإرادة السياسية الحقيقية لتنزيل هذا الحق، عبر الاستمرار في تقديم نصوص تشريعية سبق أن وُجّهت بشأنها ملاحظات صريحة من المحكمة الدستورية، دون تصحيح جوهري للاختلالات المثارة.
كما وسّع البلاغ دائرة انتقاداته لتشمل تدبير الحكومة لقطاع العدالة، مسجّلًا ما وصفه بمقاربة متصلبة لوزير العدل في تعاطيه مع الهيئات المهنية، وهي مقاربة من شأنها، بحسب الحزب، أن تؤثر سلبًا على السير العادي لمرفق العدالة، وعلى حقوق المتقاضين، في مرحلة تستدعي التهدئة والحوار بدل تأجيج التوتر.
وتوقف الحزب عند مشروع القانون المتعلق بإحداث المجلس الوطني للصحافة، معتبرًا أن الحكومة اختارت مسارًا يُقوّض مبدأ التنظيم الذاتي للقطاع، بدل ترسيخه وتطويره، رغم التحفظات الواسعة التي عبّر عنها مهنيون وفاعلون مدنيون، وما يثيره المشروع من مخاوف جدية مرتبطة بمستقبل حرية الصحافة واستقلاليتها.
ورغم حدّة الانتقادات، لم يخلُ بلاغ الأمانة العامة من التنويه ببعض القرارات الاجتماعية، خاصة تلك المرتبطة بتوسيع الاستفادة من نظام الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة الأطفال اليتامى ونزلاء مؤسسات الرعاية الاجتماعية.
غير أن الحزب شدد على أن هذا التنويه لا يمكن أن يتحول إلى صكّ تبرئة، في ظل ما وصفه بتخبط واضح في تنزيل برامج الحماية الاجتماعية، وغياب الإنصاف بين مختلف الفئات المستهدفة.
ويعكس البلاغ، في مجمله، تصعيدًا سياسيًا لافتًا في خطاب الحزب تجاه أداء الحكومة، وانتقالًا من تسجيل الاختلالات إلى مساءلة مباشرة للاختيارات المرتبطة بالحكامة والتشريع وتدبير القطاعات الحيوية، في لحظة سياسية تتزايد فيها الأسئلة حول منطق التدبير وحدود الالتزام بروح الدستور.
