غلاء المعيشة في المغرب ليس لعنة نزلت من السماء، ولا قدَرًا غامضًا فُرض على البلاد خارج منطق القرار العمومي.
كما لا يمكن اختزاله في تبريرات ظرفية مرتبطة بالجفاف أو بالسياق الدولي المتقلّب.
ما يعيشه المواطن اليوم هو حصيلة مسار طويل من الاختيارات الفلاحية والاقتصادية التي راكمت آثارها بصمت، إلى أن انفجرت في شكل ارتفاع متواصل في أسعار الغذاء، مسّت الخضر والحبوب واللحوم ومشتقات الحليب، وأثقلت كاهل الأسر.
حين ترتفع أسعار الخضر بشكل غير متناسب مع القدرة الشرائية، وحين يتحول القمح المستورد إلى عنصر ضغط دائم على الميزانية العمومية، وحين يصبح الأمن الغذائي موضوع قلق يومي، فإن ذلك يعيد النقاش إلى كيفية توجيه الدعم العمومي وإلى طبيعة النموذج الفلاحي المعتمد خلال السنوات الماضية.
فقد أظهرت الوقائع أن توجيه جزء مهم من الموارد، بما فيها الماء والتحفيزات، نحو الزراعات الموجّهة للتصدير، تزامن مع تراجع نسبي للزراعات المعيشية الموجّهة للسوق الوطنية، وهو ما أثّر تدريجيًا في توازن العرض والأسعار.
في هذا السياق، تبرز أهمية الورقة التحليلية الصادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، التي دعت إلى إعادة توجيه الدعم الفلاحي نحو الزراعات الضامنة للأمن الغذائي الداخلي.
الورقة لا تتناول الغلاء بشكل مباشر، لكنها تُظهر بوضوح العلاقة البنيوية بين اختيارات الإنتاج الفلاحي، وحماية السوق الداخلية، وقدرة الاقتصاد على الحفاظ على استقرار الأسعار.
فحين تُهمَل الحبوب، ويُقلَّص دعم القطاني، وتُترك الخضر الموجّهة للاستهلاك الداخلي دون حماية كافية، تتشكّل شروط الندرة، وهي من أبرز العوامل المؤثرة في الغلاء.
وتشير متابعات اقتصادية ومهنية إلى أن تراجع الإنتاج الموجَّه للسوق الوطنية يُمارس ضغطًا مباشرًا على الأسعار، في وقت يواجه فيه الفلاحون الصغار والمتوسطون صعوبات متزايدة في الولوج إلى التمويل والبذور والمدخلات الأساسية.
هذا الواقع يطرح تساؤلات حول مدى توازن منظومة الدعم، وحول قدرة السياسات المعتمدة على حماية الفاعلين الذين يشكّلون القاعدة الحقيقية للأمن الغذائي، مقارنة بفاعلين آخرين يشتغلون بمنطق استثماري موجَّه أساسًا للتصدير.
ولا يقتصر الغلاء المسجَّل اليوم على المنتجات النباتية، بل يمتد إلى السلسلة الحيوانية برمّتها.
فقد أصبح الاعتماد على استيراد الأغنام والأبقار والأعلاف وحتى التبن عنصرًا بنيويًا في تأمين العرض.
هذا المعطى، في بلد يُقدَّم رسميًا كبلد ذي إمكانيات فلاحية مهمة، يسلّط الضوء على اختلالات هيكلية في تأمين حاجيات الإنتاج الحيواني، ويطرح تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام النموذج الفلاحي القائم مع متطلبات السيادة الغذائية والاستقرار الاجتماعي.
وفي كل مرحلة، تُقدَّم تفسيرات متعددة لارتفاع الأسعار تتغيّر بتغيّر السياق.
غير أن هذه التفسيرات تظل غير كافية ما لم تُواكَب بتقييم موضوعي لحصيلة الاختيارات السابقة.
فالعوامل الخارجية أو المناخية لا تُنتج آثارًا متماثلة في جميع الدول، بل تتضاعف آثارها حين تكون المنظومات الداخلية هشّة وغير محصَّنة بما يكفي.
وهو ما يعيد النقاش إلى مسألة قدرة السوق الوطنية على امتصاص الصدمات، ودور السياسات العمومية في تعزيز هذه القدرة أو إضعافها.
كما يثير هذا الوضع نقاشًا متزايدًا حول آليات التنظيم والمراقبة داخل الأسواق.
فضعف الضبط، وغياب ربط واضح بين الدعم العمومي ومتطلبات السوق الداخلية، قد يفتح المجال أمام ممارسات تستفيد من الندرة، دون أن تكون بالضرورة خارج الإطار القانوني، لكنها تطرح إشكال العدالة الاقتصادية ونجاعة التدخل العمومي، خاصة حين لا تنعكس “النجاحات التصديرية” على مستوى عيش المواطنين.
اليوم، يحتل المغرب مراتب متقدمة في تصدير بعض المنتجات الفلاحية ذات القيمة التجارية المرتفعة، غير أن هذا التقدم لا ينعكس تلقائيًا على استقرار الأسعار داخليًا.
وهو ما يبرز الحاجة إلى قراءة متوازنة لحدود النموذج الحالي، وإلى نقاش عمومي مسؤول حول كيفية تحقيق توازن مستدام بين متطلبات التصدير وحاجيات السوق الوطنية، في إطار احترام القانون ومبادئ الحكامة الجيدة.
غلاء المعيشة في المغرب ليس عقوبة سماوية، ولا حدثًا معزولًا، بل نتيجة تفاعل معقّد بين اختيارات إنتاج وأنماط دعم وآليات تنظيم.
ومعالجة هذا الغلاء تقتضي إعادة وضع الأمن الغذائي في صلب السياسات الفلاحية، وتوجيه الموارد العمومية بما يعزّز الإنتاج الموجَّه للاستهلاك الداخلي ويقوّي قدرة السوق الوطنية على الصمود.
فالفلاحة ليست مجرد أرقام تصدير، بل ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي؛ وحين يختل هذا التوازن، يصبح الغلاء مؤشرًا على حاجة ملحّة لمراجعة الخيارات، لا مجرد ظرف عابر.
