حسب مصادر إعلامية، كشفت تقارير حديثة صادرة عن مصالح الشؤون الداخلية بعدد من العمالات والأقاليم التابعة لـ جهة الدار البيضاء–سطات عن اختلالات وُصفت بـ“المقلقة” في تدبير صفقات كراء السيارات داخل بعض الجماعات الترابية بضواحي العاصمة الاقتصادية، في ممارسات لا تبدو معزولة أو ظرفية، بقدر ما تعكس منطقًا تدبيريًا يخلط بين تسيير المرفق العمومي وتدبير التوازنات السياسية.
وحسب المعطيات ذاتها، فإن عددًا من رؤساء الجماعات لجؤوا إلى إبرام صفقات كراء سيارات من المستوى المتوسط خارج أي مبرر وظيفي واضح، لا لتجويد الخدمات العمومية أو تيسير العمل الإداري، بل لاستعمالها كورقة “تهدئة سياسية” داخل المجالس المنتخبة، عبر استمالة مستشارين وإسكات أصوات معارضة، بما يضمن أغلبية مريحة واستقرارًا شكليًا يُدار بمنطق الامتيازات بدل الاحتكام إلى النقاش الديمقراطي والمسؤولية السياسية.
الأخطر، وفق التقارير نفسها، أن هذه الصفقات تُبرم في تناقض صارخ مع الواقع اللوجستيكي للجماعات المعنية، التي تتوفر أصلًا على أسطول من سيارات المصلحة القابلة للاستعمال الإداري، ما يحوّل كراء سيارات إضافية إلى عبء مالي غير مبرر، ويطرح تساؤلات مباشرة حول منطق الإنفاق العمومي، وأولويات التدبير المحلي، وحدود الالتزام بمبدأ ترشيد المال العام.
ولم تقف الاختلالات عند هذا الحد، إذ سجلت التقارير استفادة بعض الموظفين من سيارات المصلحة رغم توصلهم بتعويضات عن الأعمال الشاقة أو عن المهام والتنقل، في وضعيات اعتُبرت خرقًا صريحًا للمقتضيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل، والتي تمنع الجمع بين التعويضات المالية والامتيازات العينية خارج الحالات المضبوطة قانونًا.
كما رُصدت استفادة رؤساء أقسام ومديري مصالح من سيارات المنفعة، بالتوازي مع حصولهم على تعويضات إضافية، في ما وصفته التقارير بـ“جمع غير مبرر للامتيازات”، يُثقل كاهل ميزانيات الجماعات دون أن ينعكس على جودة الخدمات أو تحسين علاقة الإدارة بالمرتفقين.
غير أن أكثر ما أثار انتباه المفتشين، وفق المصادر نفسها، هو تسجيل استفادة موظفين عاديين من سيارات المصلحة خارج أي سند إداري أو قانوني، في إطار ما بدا أقرب إلى “سياسة شراء الصمت”، هدفها احتواء الاحتقان الداخلي، وتفادي احتجاجات أو تسريبات قد تكشف اختلالات أعمق في طرق تدبير الشأن المحلي داخل بعض الجماعات الترابية.
وأكدت المصادر أن هذه الممارسات باتت تحت مجهر التتبع من قبل السلطات الإقليمية، التي رفعت تقارير مفصلة إلى الجهات المختصة، في سياق تشديد وزارة الداخلية على ربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع حد لاستعمال الصفقات العمومية كأدوات لتدبير الولاءات السياسية بدل توظيفها في خدمة الصالح العام.
ولا تستبعد المعطيات ذاتها أن تفتح المرحلة المقبلة باب أبحاث إدارية معمقة، قد تنتهي بإحالة بعض الملفات على القضاء، إذا ما ثبت أن المال العام استُعمل لتصفية حسابات سياسية داخل المجالس المنتخبة، أو لتحويل الجماعات الترابية إلى فضاءات لتوزيع الامتيازات، بدل القيام بوظيفتها الأساسية في تدبير التنمية وخدمة الساكنة.
