كشفت جلسة للأسئلة الشفوية عقدها مجلس المستشارين، يوم الثلاثاء، عن ملامح التصور الحكومي لإصلاح التعليم، كما عبّر عنه وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد برادة، الذي دافع عن ورش “مدارس الريادة” بمنطق التراكم الزمني، مؤكداً أن ثماره لن تُجنى إلا بعد سنوات، وأن اختلالات الهدر المدرسي التي راكمها المغرب على مدى عقدين لا يمكن معالجتها في فترة قصيرة.
طرحٌ يُقدَّم باعتباره واقعيًا، لكنه يثير في العمق سؤالًا سياسيًا وتربويًا حول حدود هذا الرهان، وحول ما إذا كان الإصلاح المعلن يسير نحو التحوّل الفعلي أم يكتفي بتدبير الانتظار.
الوزير استند إلى حصيلة رقمية وازنة، شملت تأهيل أكثر من تسعة آلاف مؤسسة تعليمية خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2026، وإصلاح وترميم آلاف المدارس، وربط عدد مهم منها بشبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي، إضافة إلى اعتمادات مالية كبيرة خُصصت لتدبير الموارد البشرية، تجاوزت 20 مليار درهم.
غير أن هذا العرض، رغم ثقله من حيث الأرقام، يظل ناقصًا من زاوية التقييم، إذ يقدّم منطق الإنجاز الكمي دون ربطه بشكل مباشر بسؤال الأثر التربوي داخل الفصل الدراسي.
فالمدرسة لا تُقاس فقط بعدد المؤسسات المؤهَّلة أو المرافق المشيَّدة، بل بمدى تحسّن التعلمات، وتراجع الهدر المدرسي، وقدرة المتعلم على امتلاك الكفايات الأساسية. وحين يغيب هذا الربط، يتحوّل خطاب الإصلاح إلى سرد تقني للأرقام، أقرب إلى منطق التدبير الإداري منه إلى منطق الإصلاح التربوي القابل للقياس والمساءلة.
وبخصوص التعليم بالعالم القروي، أقرّ المسؤول الحكومي بتعقيد الإكراهات المرتبطة بالعاملين الديمغرافي والجغرافي، مبرزًا صعوبة توفير مؤسسات تعليمية بدواوير لا يتجاوز عدد تلاميذها أربعة أو خمسة.
اعتراف صريح، لكنه لا يرقى إلى مستوى الجواب السياسي الكافي، ما دام يكتفي بتوصيف الصعوبة دون تقديم بدائل عملية قادرة على تجاوز منطق العجز المزمن.
فالحديث عن الاستحالة لا يعفي من مساءلة السياسات العمومية المتعلقة بالمدرسة الجماعاتية، والنقل المدرسي، والدعم الاجتماعي للأسر، خاصة في ظل استمرار الخصاص في البنيات الأساسية رغم تعاقب البرامج.
وفي الوقت الذي استُحضرت فيه نسب النجاح الجهوية لتأكيد تحسن الأداء التربوي، غاب نقاش الفوارق المجالية في جودة التعليم، والفجوة بين نسب النجاح ومضمون الشهادات المحصل عليها.
فارتفاع نسب النجاح، حين لا يُواكَب بتعلمات صلبة وقابلة للتتبع، قد يتحول من مؤشر إيجابي إلى أداة تلطيف سياسي، تُستعمل لتخفيف الضغط أكثر مما تُستعمل لتشخيص الخلل البنيوي.
الرهان على استكمال ورش “مدارس الريادة” خلال خمس سنوات إضافية يعكس منطقًا مألوفًا في تدبير السياسات العمومية، يقوم على تأجيل التقييم وربط الإصلاح بالزمن بدل ربطه بالأثر.
وهو ما يجعل هذا الورش، في وضعه الحالي، اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد الدولة للانتقال من خطاب التراكم إلى منطق المحاسبة والنجاعة.
لا أحد يُنكر تعقيد إصلاح التعليم ولا ثقل التراكمات التاريخية، غير أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات المطلوبة لإنجازه، بل بوضوح الرؤية، وجرأة التقييم، والاستعداد لتحمّل كلفة الحقيقة قبل كلفة الزمن.
