لم يكن تدخل عبد الله بووانو، في لقاء دراسي داخل مجلس النواب، مجرد مرافعة عابرة في نقاش مهني أو تقني، بل خرج في جوهره كشهادة سياسية عن واحدة من أكثر الممارسات إرباكًا في التجربة التشريعية المغربية خلال السنوات الأخيرة: سحب مشاريع قوانين استراتيجية بعد بلوغها مراحل متقدمة داخل البرلمان.
بووانو عدّد، دون مواربة، لائحة ثقيلة من النصوص التي سُحبت أو أُفرغت من مضمونها، من القانون الجنائي المتضمن لتجريم الإثراء غير المشروع، إلى مشروع احتلال الملك العمومي البحري، وقانون المقالع، والتغطية الاجتماعية الشاملة، وصولًا إلى مشروع وكيل الأعمال ومحرر العقود الثابتة.
هذا التعداد، في حد ذاته، لا يمكن التعامل معه كاستحضار تقني لمسار تشريعي، بل كتفكيك ضمني لسردية رسمية طالما قدّمت سحب القوانين كإجراء عادي أو تصحيحي، في حين أنه يعكس اختلالًا أعمق في منطق صناعة القرار التشريعي.
أخطر ما في كلام بووانو لا يتعلق بالمسطرة في حد ذاتها، بل باعترافه الصريح بأن التعطيل كان سياسيًا.
فحين يؤكد أن قانون الإثراء غير المشروع، الذي تقدم به وزير دولة سابق، لم يسقط بسبب عيب تقني أو دستوري، بل نتيجة تواطؤ بين فرق من الأغلبية والمعارضة لإفراغه من محتواه، فإننا نكون أمام إقرار بأن البرلمان لم يكن دائمًا فضاءً لصراع ديمقراطي شفاف، بل تحول، في لحظات مفصلية، إلى مجال لتقاطع مصالح خارج منطق المحاسبة.
هذا الاعتراف يطرح سؤالًا سياسيًا محرجًا لا يمكن القفز عليه: إذا كانت القوانين التي تمس جوهر الشفافية ومحاربة الفساد قد أُجهضت من داخل المؤسسة التشريعية نفسها، فكيف يمكن الحديث عن إرادة إصلاح حقيقية؟ وهل يكفي توصيف ما وقع بعد مغادرة دائرة القرار، أم أن السياسة تقتضي تحمّل المسؤولية في لحظة الفعل، لا في لحظة الشهادة؟
في الشق المتعلق بمهنة العدول وغسل الأموال، حاول بووانو تقديم قراءة متوازنة، رافضًا تحميل المهنيين مسؤوليات لا تملك الدولة أدوات مادية لتتبعها، ومذكّرًا بأن منظومة محاربة غسل الأموال لا يمكن أن تقوم فقط على منطق الاشتباه دون آليات حجز وتعقّب فعلي للأموال.
غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته التقنية، ظل محكومًا بمنطق التحذير الأخلاقي أكثر من كونه تصورًا تشريعيًا متكاملًا، لأن الإشكال الحقيقي لا يقتصر على حماية المهنة، بل يمتد إلى بناء منظومة قانونية توازن بين حماية الحقوق، وضمان الأمن المالي، ومنع تحويل المهنيين إلى حلقات ضعيفة في سلسلة معقدة تتحمل فيها الدولة العبء الأكبر.
استدعاء خطاب الملك لسنة 2015، الرافض للتشريع الفئوي والكوربوراتيزم، أعاد النقاش إلى مستوى المصلحة العامة، لكنه في الوقت نفسه كشف مفارقة لافتة.
فالدعوة إلى تجاوز الفئوية تأتي اليوم مقرونة باعتراف ضمني بأن قوانين ذات طابع وطني شامل سقطت سابقًا تحت ضغط مصالح متقاطعة، دون أن يُعلن عن ذلك في حينه بنفس الوضوح.
هنا يظهر التوتر في الموقف: خطاب ضد الفئوية، دون مساءلة صريحة لمنطق التحالفات التي أجهضت قوانين سيادية، ودعوة إلى تقديم تعديلات تخدم الصالح العام، دون تحديد سقف سياسي يمنع إعادة إنتاج السيناريو نفسه.
ما قدّمه بووانو، في هذا اللقاء الدراسي داخل مجلس النواب، أقرب إلى شهادة سياسية متأخرة منها إلى موقف تشريعي حاسم. شهادة تكشف كيف يمكن للأغلبية البرلمانية، حين تفقد البوصلة، أن تتحول من أداة تشريع إلى أداة تعطيل، ومن فضاء للنقاش العمومي إلى غرفة تسويات صامتة.
قوة هذا الكلام تكمن في صدقه ووضوحه، لكن ضعفه الأساسي أنه لم يُقَل في اللحظة التي كان يمكن أن يغيّر فيها مسار النصوص.
وبين الصراحة والتأخر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام بداية وعي سياسي متأخر داخل البرلمان، أم مجرد توثيق لما ضاع بعد أن حُسمت المعارك في مكان آخر؟
