حين وقف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، أمام مجلس المستشارين ليستعرض حصيلة تأهيل مساجد العالم القروي، لم يكن يعرض مجرد أرقام تقنية بقدر ما كان يقدّم سردية رسمية متكاملة عن حضور الدولة في القرى، عبر أحد أكثر رموزها حساسية وتأثيرًا: المسجد.
2038 مسجدًا أُعيد فتحها من أصل 3120، و1470 مسجدًا أُنجز تأهيلها بكلفة تقارب 1,9 مليار درهم، مع وعود باستكمال الباقي خلال السنوات المقبلة.
أرقام وازنة، تُقدَّم بثقة، وتُستَخدم لإثبات أن العالم القروي لا يُترك خارج دوائر العناية العمومية.
غير أن ثقل الرقم، مهما بلغ، لا يعفي من طرح السؤال الجوهري: هل يكفي تأهيل المسجد لترميم ما تهدّم في القرى؟
خطاب الوزير يصرّ على المساواة بين القروي والحضري في العناية بالمساجد، ويؤكد أن 41 في المائة من ميزانية الاستثمار تُوجَّه للعالم القروي، الذي يحتضن 72 في المائة من مجموع المساجد.
غير أن هذه المعادلة الرقمية، رغم توازنها الظاهري، تُخفي مفارقة عميقة: حضور قوي للدولة في المجال الرمزي، مقابل هشاشة مستمرة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي.
فالمسجد المؤهَّل لا يُعبّد طريقًا غير صالحة، ولا يعوّض مستوصفًا مغلقًا، ولا يُقلّص عزلة دوار يفتقد للنقل والخدمات الأساسية.
بل أكثر من ذلك، فإن إغلاق مسجد لسنوات طويلة، ثم إعادة فتحه في إطار “برنامج تأهيل”، يطرح سؤال الزمن السياسي: لماذا تُركت هذه الفضاءات مغلقة أصلًا؟ ومن تحمّل كلفة الفراغ الديني والاجتماعي الذي خلّفه ذلك؟
وما يلفت في خطاب التوفيق ليس فقط ما قيل، بل أيضًا ما لم يُقَل. إذ لم يتوقف عند أثر هذه الاستثمارات على الاستقرار الاجتماعي، ولا عند كيفية تدبير المساجد بعد تأهيلها: هل تتوفر على أطر دينية قارة؟ هل تؤدي أدوارها التربوية والتأطيرية؟ أم تتحول، بعد قص الشريط، إلى بنايات صامتة تُستحضر فقط عند لحظة عرض الحصيلة؟
في العمق، يبدو أن الدولة اختارت أن تُثبت حضورها في العالم القروي عبر أكثر المجالات أمانًا سياسيًا: الشأن الديني.
استثمارٌ مشروع من حيث المبدأ، لكنه يصبح محل مساءلة حين يُقدَّم كدليل كافٍ على التنمية، أو كتعويض غير معلن عن اختلالات أعمق في توزيع الخدمات والفرص.
بين منطق الأرقام ومنطق العيش اليومي، يظل الرهان الحقيقي أبعد من تأهيل الجدران.
إنه رهان إعادة الاعتبار للقرية كفضاء مواطنة كاملة، لا كحقل لتدبير الرموز فقط. أما المسجد، مهما بلغت كلفة ترميمه، فلا يمكن أن يحمل وحده عبء فجوة تنموية عمرها عقود.
