اللقاء الدراسي الذي احتضنه مجلس النواب، يوم الثلاثاء، من تنظيم المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، تحوّل إلى منصة لخروج سياسي حاد دافع فيه عبد اللطيف وهبي عن مشروع القانون المنظم لمهنة العدول.
غير أن هذا الدفاع لم يتخذ طابع الشرح الهادئ لاختيارات تشريعية بقدر ما كشف أسلوبًا في تدبير الإصلاح يقوم على منطق الفرض أكثر مما يقوم على منطق الإقناع، ما عمّق الإحساس بأن النقاش يُدار بعقلية الصدام لا بعقلية البناء.
الوزير قدّم نفسه باعتباره رجل الدولة الذي يتحمّل المسؤولية ولا يرضخ للضغط، مستندًا إلى شرعية المسطرة والمؤسسات.
لكن هذا الخطاب، بدل أن يطمئن، ترك انطباعًا واضحًا بأن جوهر التخوفات المهنية لم يُؤخذ على محمل الجد.
فالأسئلة الدقيقة المرتبطة بالتوازنات والاختصاصات وحدود التدخل ظلت بلا أجوبة مقنعة، بينما جرى اللجوء إلى طريق أسهل سياسيًا: التشكيك في خصوم النص، والتلميح إلى أن بعضهم لم يقرأ القانون أو لا يفهم خلفياته.
أسلوب لا يعكس قوة الحجة، بقدر ما يكشف ضيقًا بالنقاش ونفاد صبر تجاه كل من يرفض الاصطفاف خلف الرواية الرسمية.
الإصرار المتكرر على عبارة “أتحمّل مسؤوليتي السياسية” تحوّل من مبدأ دستوري نبيل إلى مظلة خطابية تُستعمل لتبرير تمرير نصوص مثيرة للجدل دون بذل الجهد الكافي لبناء التوافق حولها. فالمسؤولية السياسية لا تعني المضي في القرار رغم الاعتراض، بل تعني أولًا القدرة على الاستماع والتعديل والاعتراف بأن النص القانوني ليس مقدسًا، وأن إصلاح العدالة لا يُختزل في شجاعة الوزير، بل في جودة التشريع واستقراره الاجتماعي والمهني.
الأخطر في خطاب وهبي هو اختزال الدولة في الحكومة، والحكومة في الوزير، والمؤسسات في النصوص.
حين يُعلن أن الدولة لا تتفاوض إلا مع الهيئات المنصوص عليها قانونًا، يُتجاهل واقع بسيط: التنسيقيات المهنية ليست نزوة ظرفية، بل تعبير عن اختلال داخل قنوات الوساطة نفسها.
المؤسسات لا تفقد مشروعيتها فقط حين تُخرق قوانينها، بل أيضًا حين تعجز عن احتواء الخلاف داخلها.
تجاهل هذا المعطى لا يحمي الدولة، بل يضعفها.
أما استحضار ملفات الفساد أو الاعتقالات في مهن أخرى لتبرير توجه تشريعي عام، فهو تبسيط مخلّ يخلط بين الرقابة والإدانة المسبقة.
الإصلاح الحقيقي لا يمر عبر نزع الاختصاصات بالجملة، ولا عبر التعامل مع كل مهني باعتباره مشروع مشتبه فيه، بل عبر بناء منظومة حكامة واضحة، ومساطر مراقبة صارمة، وربط فعلي بين المسؤولية والمحاسبة، دون المساس بجوهر المهنة أو استقلاليتها.
الوزارة، في النهاية، ليست فضاءً لاستعراض الصلابة ولا مسرحًا لإبراز القدرة على تحمّل الهجوم.
إنها موقع لتدبير توازنات دقيقة بين منطق الدولة ومنطق الممارسة، بين السلطة والنقاش، وبين القانون والواقع.
حين يغيب هذا التوازن، يتحول الإصلاح إلى قرار فوقي، ويتحوّل الوزير إلى طرف في الصراع بدل أن يكون ضامنًا لحله.
ما يجري اليوم حول قانون العدول ليس معركة شجاعة سياسية، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة السلطة التنفيذية على إنتاج تشريع ناضج، يُقنع قبل أن يُفرض، ويُصلح دون أن يكسر.
وكل إصلاح لا يُبنى على هذا الأساس قد يمر في البرلمان، لكنه سيتعثر حتمًا عند أول احتكاك مع الواقع.
