Nizar Baraka’s Gamble: “Moral Rhetoric” in the Quagmire of Power
كشفت التصريحات الأخيرة لـ نزار بركة، الأمين العام لـ حزب الاستقلال، بمناسبة تخليد الذكرى الثانية والثمانين لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، عن خطاب سياسي عالي النبرة، مشحون بكثافة رمزية واضحة، يستحضر الوطنية في أقصى تجلياتها، ويستدعي الأخلاق في مواجهة الريع والمضاربة والجشع الاقتصادي.
خطاب أعاد تثبيت لحظة 31 أكتوبر باعتبارها منعطفًا سياديًا جامعًا، ورسّخ مركزية قضية الصحراء ومقترح الحكم الذاتي، في انسجام مباشر مع التوجيهات الملكية وخطاب الملك محمد السادس، بما يمنحه وزنًا سياسيًا لا يمكن التقليل من رمزيته داخل المشهد العام.
غير أن هذا الخطاب، على قوته اللغوية ووضوح مرجعيته الوطنية، يضع صاحبه وحزبه أمام سؤال سياسي ثقيل لا يقبل التهرب: كيف يمكن لحزب يوجد في قلب الأغلبية الحكومية، ويمارس السلطة التنفيذية من مواقع مؤثرة، أن يهاجم نموذجًا اقتصاديًا هو، في جوهره، نتاج اختيارات حكومية ساهم فيها أو صادق عليها؟ وأين تتوقف حدود النقد السياسي المشروع، وأين تبدأ مسؤولية القرار المباشر؟ فالفارق بين تسمية الأعطاب وتحمل كلفة معالجتها هو المعيار الفعلي لصدقية الخطاب، لا حدته ولا بلاغته.
إن تشديد نزار بركة على التعبئة الوطنية، وتجنيد منتخبي الحزب ومؤسساته، خاصة في الأقاليم الجنوبية، للتعريف بمقترح الحكم الذاتي وتأطير الساكنة، ينسجم مع منطق الإجماع الوطني حول قضية الصحراء، ويؤكد تموقع حزب الاستقلال داخل هذا التوافق التاريخي.
غير أن هذا الاصطفاف الرمزي، مهما بلغت قوته، لا يعفي من مساءلة الفعل العمومي: ماذا تحقق فعليًا على مستوى العدالة الاجتماعية والتنمية المجالية داخل هذه الأقاليم؟ وكيف يمكن الحديث عن صيانة المكتسبات في ظل استمرار الفوارق المجالية، وارتفاع كلفة العيش، وتباطؤ الأثر الاجتماعي للسياسات العمومية؟
استدعاء صوت الشباب، ورفضهم لنموذج اقتصادي يجعل المال بوصلة وحيدة للمجتمع، لم يكن مجرد عنصر خطابي إضافي، بل محاولة واضحة لإضفاء شرعية أخلاقية على موقف سياسي ينتقد الجشع والمضاربة.
غير أن هذا الاستدعاء ينقلب، سياسيًا، إلى عبء ثقيل على من يرفعه: من المسؤول عن استمرار المضاربة في الأسواق؟ ومن يملك سلطة التدخل لضبط سلاسل التوزيع وحماية القدرة الشرائية، إن لم تكن الحكومة نفسها التي يشكّل حزب الاستقلال أحد أعمدتها الأساسية؟
إن الحديث عن القطيعة مع ثقافة الريع، ورفض ممارسات “باك صاحبي” و“الفراقشية”، وربط ذلك بالدعوة الملكية إلى بناء مغرب بسرعة واحدة، يكشف عن مفارقة صارخة بين خطاب أخلاقي متقدم وواقع حكومي لم ينجح بعد في إقناع المغاربة بأن هذه القطيعة خرجت من دائرة النوايا إلى مجال السياسات العمومية الملموسة.
فالمواطن لا ينتظر توصيف الاختلالات، بل ينتظر أثر القرار في الأسعار، وفي فرص الشغل، وفي الإحساس العام بالإنصاف، وفي عدالة توزيع كلفة الأزمات.
ربط خطاب 31 أكتوبر بلحظة تغيير حقيقية، مشروطة بالقطع مع الجشع والريع، ليس توصيفًا سياسيًا عابرًا، بل التزام ضمني يضع أحزاب الأغلبية أمام امتحان مباشر: إما تحويل الخطاب إلى قرارات جريئة ومكلفة سياسيًا، تمس مصالح قائمة وتعيد ترتيب الأولويات الاقتصادية، أو الإبقاء عليه في حدود تموضع لغوي أنيق، يراكم النقاط الخطابية دون أن يغيّر ميزان الواقع.
والأخطر في هذا التموقع الرمادي أنه يهدد بتحويل نقد الريع إلى مجرد أداة للاستهلاك السياسي، تُستعمل عند الحاجة إلى استعادة المبادرة، ثم تُركن جانبًا عند لحظة اتخاذ القرار.
في مغرب يواجه ضغوطًا اجتماعية متصاعدة، لم يعد ممكنًا الجمع بين لغة الإدانة وممارسة الصمت التنفيذي.
اللحظة الراهنة لا تختبر جمال الخطاب، بل تختبر شجاعة القطع مع مصالح قائمة، وتحمل كلفة الإصلاح من داخل السلطة، لا الاحتماء بها من موقع الخطابة.
