في الوقت الذي استبشر فيه المغاربة خيراً بتعافي حقينة السدود وتراجع منسوب القلق المرتبط بالجفاف الهيكلي، أعادت تطورات ملف الزراعات المستنزِفة للمياه بإقليم طاطا طرح سؤال جوهري حول حدود الاستدامة وحقيقة إنفاذ القانون.
فوفرة الموارد، مهما كانت ظرفية، لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للتراخي في حماية الثروة المائية، خاصة في المجالات الواحاتية الهشة التي تقوم منظومتها البيئية على توازن دقيق بين الإنسان والطبيعة.
كشفت مصادر إعلامية أن السؤال الكتابي الذي وجهته النائبة البرلمانية نبيلة منيب إلى وزير الداخلية أعاد تسليط الضوء على خروقات بيئية خطيرة، مرتبطة بعدم الامتثال للقرار العاملي القاضي بمنع الزراعات المستنزفة للماء، وعلى رأسها زراعة البطيخ الأحمر. ووفق المعطيات المتداولة، فإن هذا القرار، الصادر لحماية الفرشات المائية والواحات، لم يُفعَّل بالصرامة المطلوبة، بفعل رفض بعض المزارعين الكبار والنافذين الالتزام بمقتضياته.
وتضيف المصادر ذاتها أن الأمر لم يقف عند حدود خرق القرار، بل تطور في بعض الحالات إلى منع لجان المراقبة والسلطات المكلفة بإنفاذ القانون من ولوج عدد من الضيعات، مع استمرار نشاط ضيعات سرية وغير مصرح بها خارج أي رقابة فعلية.
وضع يطرح تساؤلات عميقة حول مدى احترام هيبة الدولة وسيادة القانون، وحول تكافؤ الفرص بين المواطنين في الخضوع للقواعد نفسها، بغض النظر عن النفوذ أو الإمكانات المالية.
وتبرز خطورة هذا الملف في كونه يتجاوز البعد الفلاحي الظرفي، ليمس جوهر الأمن المائي، خاصة أن الإقليم يعتمد أساساً على الفرشات المائية الباطنية التي تتشكل عبر عقود طويلة، ولا تعوضها بسهولة التساقطات الموسمية أو تحسن حقينة السدود.
فاستمرار زراعة “الدلاح” في هذا السياق يمثل استنزافاً لمخزون استراتيجي يفترض أن يُدار بمنطق الحيطة والاستباق، لا بمنطق الربح السريع.
وفي هذا الإطار، شددت النائبة البرلمانية على أن ما يجري يمس مقتضيات دستورية واضحة، من بينها الحق في الماء والعيش في بيئة سليمة، وحماية الموارد الطبيعية وضمان تنميتها المستدامة، إلى جانب مبدأ سمو القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وهي مقتضيات لا يمكن أن تظل حبراً على ورق، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بموارد مشتركة تشكل أساس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمناطق الواحاتية.
ودعت منيب وزارة الداخلية إلى توضيح أسباب استمرار خرق القرار العاملي، وتحديد المسؤوليات الإدارية والمؤسساتية المرتبطة بهذا الإخفاق في التنفيذ، مع الكشف عن طبيعة الإجراءات الزجرية، سواء الإدارية أو المالية أو القضائية، التي تم اتخاذها أو يُرتقب اتخاذها في حق كل من ثبت تورطه في عرقلة تطبيق القانون أو منع السلطات من أداء مهامها.
كما طالبت بتعزيز الآليات التقنية والرقابية لرصد الضيعات السرية وغير المصرح بها، وضمان إخضاعها لنفس المراقبة ونفس الجزاءات، إلى جانب إصدار تعليمات مركزية واضحة وملزمة تضمن التطبيق الموحد والصارم للقرارات العاملية، مع تحديد آجال دقيقة للتنفيذ وآليات فعالة للتتبع والتقييم.
ويعيد هذا الملف إلى الواجهة نقاش البدائل التنموية الممكنة، حيث ترى النائبة أن الحل لا يكمن فقط في المنع، بل في توفير خيارات اقتصادية مستدامة تحترم خصوصية المجال الواحاتي، من خلال تشجيع الزراعات الواحية الملائمة، والسياحة الإيكولوجية، والاقتصاد التضامني، بما يضمن فرص الشغل والعيش الكريم دون المساس بالحق الدستوري في الماء والبيئة السليمة.
خلاصة القول، إن تحسن الوضع المائي بالمملكة ينبغي أن يكون حافزاً لتعزيز الرقابة وتكريس احترام القانون، لا ذريعة للتراخي.
فقضية “دلاح طاطا” تكشف أن الأمن المائي الحقيقي لا يتحقق فقط ببناء السدود وامتلائها، بل بفرض سيادة القانون وحماية الأوساط البيئية الهشة من منطق الاستنزاف وفرض الأمر الواقع.
