بينما تنشغل الصالونات السياسية في العاصمة بلغة الأرقام والمؤشرات الماكرو-اقتصادية، تظل المرأة القروية في المغرب “العميق” أسيرة واقع لا يعترف كثيراً بجداول “الإكسيل” الحكومية، وهو ما كشفته بوضوح الجلسة البرلمانية الأخيرة التي أعادت صياغة الإشكال البنيوي القديم حول التباعد المستمر بين “زهو الحصيلة” و”أنين الميدان”.
في هذه المواجهة، اختارت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة بن يحيى، الدفاع عن أداء قطاعها بمنطق يزاوج بين المعطيات التقنية والشرعية النضالية، حيث قدمت عرضاً رقمياً يغطي مجالات الصحة والتشغيل ودعم التعاونيات، معتبرة أن إحداث “فضاءات الأسرة” ووحدات حماية الطفولة هي لبنات أساسية في مشروع إدماج شامل ينسجم مع التوجهات الملكية، غير أن هذا الدفاع لم يخلُ من إثارة نقاش سياسي حساس حين استندت الوزيرة إلى مسارها الشخصي الممتد لأكثر من أربعين سنة في خدمة قضايا المرأة.
إن لجوء الحكومة للاحتماء خلف “المسارات الشخصية” للوزراء يطرح سؤالاً مشروعاً حول حدود استحضار السيرة الذاتية داخل فضاء يفترض فيه أن يكون مخصصاً للمساءلة المؤسساتية؛ فالمغربية القروية التي لا تجد سيارة إسعاف لنقلها في منعرجات الأطلس، لا يهمها إن كان المسؤول يمتلك خبرة عقود أو أيام، بقدر ما يهمها حقها الدستوري في الكرامة والحياة، والبرلمان بصفته آلية لربط المسؤولية بالمحاسبة لا يحاكم “النوايا” بل يسائل “النتائج”.
إن هذا الميل نحو “شخصنة” الإنجاز قد يُفهم منه نوع من الهروب نحو الأمام، خاصة وأن الأثر الاجتماعي لا يُقاس بعدد “الجدران” أو “المراكز المحدثة” التي قد تفتقر للحكامة، بل بمدى استدامتها وفعاليتها في تغيير شروط العيش، بعيداً عن سياسة “الإسمنت” التي تكتفي ببناء بنايات تظل في كثير من الأحيان أقرب إلى الملحقات الإدارية الباهتة منها إلى آليات فعلية للتمكين.
وفي مقابل طمأنينة الأرقام الرسمية، جاءت مداخلة النائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي، عائشة الكورجي، لتكسر هذا الزهو عبر استحضار نموذج صارخ للهشاشة يتمثل في “عاملات الفراولة”.
هؤلاء النساء اللواتي يمثلن الوجه الخفي للاقتصاد الفلاحي، يعشن واقعاً لا تعكسه التقارير الحكومية، حيث تغيب الحماية الاجتماعية وتُداس كرامة العمل تحت قسوة الظروف وغياب التأطير القانوني، وهو ما يؤكد وجود “قطيعة معرفية” بين من يرى التنمية في “تجهيز البنايات” ومن يراها في “تحرير الإنسان”.
إن الفجوة بين التقارير المكتوبة بمداد الأمل في المكاتب المكيفة والواقع المكتوب بعرق الجبين في الحقول، تكشف أن الإشكال لا يكمن في غياب البرامج، بل في “فلسفة التنفيذ” التي لا تزال حبيسة منطق الرعاية والإحسان بدلاً من منطق الحق والتمكين.
يظل التحدي الحقيقي أمام الوزارة الوصية هو إقناع النساء في الهامش القروي بأن “لغة الأرقام” التي تُتلى تحت قبة البرلمان ستتحول يوماً ما إلى كرامة اقتصادية وحماية اجتماعية حقيقية، فالكرة الآن في ملعب الحكومة للتحرر من جلباب الحصيلة الرقمية الصماء ومواجهة حقيقة أن التنمية لا تُقاس بالأقدمية ولا بعدد المشاريع المفتتحة، بل بمدى تقليص الفوارق المجالية وضمان حقوق فئات لا تزال تبحث عن مكانها في مغرب “السرعة الفائقة”.
إن الأسئلة ستظل مفتوحة، ولا يحسمها طول المسار المهني، بقدر ما تحسمها الوقائع اليومية التي تعيشها المرأة المغربية في أقصى نقطة من مغرب الهامش.
