Good News for Moroccans? The Minister of Justice Acknowledges the Limits of the Law within the Logic of Economic Dominance
لطالما آمن الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو بأن القانون هو تعبير عن “الإرادة العامة”، وأداة لتنظيم التعايش ومنع تغوّل القوة داخل المجتمع، في إطار ما سماه بالعقد الاجتماعي.
غير أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن عبد اللطيف وهبي من داخل قبة البرلمان أعادت فتح نقاش فكري وسياسي عميق حول المسافة الفاصلة بين هذا التصور النظري، والواقع العملي للتشريع داخل الأنظمة ذات البنية الرأسمالية.
لم يكن كلام وزير العدل، حين أكد أن المغرب يشتغل داخل نظام رأسمالي لا اشتراكي، وأن الطبقة البرجوازية تملك تأثيراً حاسماً في توجيه القرار، مجرد توصيف تقني عابر، بل حمل في طياته إقراراً بأن التشريع يتأثر بالبنية الاقتصادية والاجتماعية السائدة.
وهو طرح حاضر بقوة في الأدبيات السياسية، حيث يُنظر إلى القانون باعتباره نتاجاً لتوازنات القوة داخل المجتمع، أكثر منه أداة مستقلة تعمل خارج هذه التوازنات.
غير أن دلالة هذا الطرح تتضاعف حين يصدر عن مسؤول حكومي يشرف مباشرة على قطاع العدل، ما يجعله أقرب إلى موقف سياسي منه إلى تحليل أكاديمي محايد.
هذا الاعتراف أسقط، ولو ضمنياً، أحد أكثر التصورات ترسخاً في الوعي العام، وهو تصور حياد القانون.
فالقانون، كما يُفهم من كلام الوزير، لا يُصاغ في فراغ، ولا يتحرك بمعزل عن السياق الاقتصادي والاجتماعي، بل يتشكل داخل منظومة مصالح قائمة، تملك من وسائل التأثير ما يجعلها حاضرة في مسار التشريع.
ولا يعني ذلك بالضرورة نفي مبدأ دولة القانون، بقدر ما يضعه داخل حدود واقعية تفرضها موازين القوى، وتجعل تحقيق العدالة الاجتماعية هدفاً معقداً لا يُختزل في النصوص.
ويزداد هذا الإشكال عمقاً حين يُقرّ المسؤول الحكومي بأن “المخطط التشريعي في خدمة البرجوازية”، لأن هذا الإقرار ينقل النقاش من مستوى النقد الخارجي إلى مستوى الاعتراف الداخلي بكون القوانين تؤدي، في جزء منها، وظيفة تنظيم المصالح أكثر من كونها آلية لإعادة توزيعها.
هنا يصبح القانون إطاراً لضبط العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، لا أداة لتصحيح اختلالاتها، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول دور البرلمان ووظيفة العملية التشريعية في ظل هذا المعطى.
غير أن أكثر ما أثار الجدل في تصريح وزير العدل هو ختمه بعبارة “غالب الله”، وهي عبارة دارجة تحمل حمولة رمزية قوية.
فسياسياً، يمكن قراءتها كتعبير عن الاعتراف بوجود سقف موضوعي للفعل التشريعي داخل النظام القائم، غير أن صدورها عن مسؤول حكومي قد تُفهم أيضاً باعتبارها نوعاً من التسليم بالعجز عن توسيع هذا السقف.
وهنا يتحول التشخيص من قراءة للواقع إلى تبرير ضمني لاستمراره، خاصة حين لا يُرفق بأي تصور إصلاحي أو أفق تغييري.
الإشكال، في هذا السياق، لا يكمن في توصيف حدود القانون، فذلك أمر متداول في علم السياسة، بل في تحويل هذه الحدود إلى معطى نهائي غير قابل للنقاش.
فالفعل السياسي، في جوهره، يقوم على محاولة تغيير موازين القوة تدريجياً، لا الاكتفاء بوصفها.
وحين يغيب هذا البعد، تصبح السياسة مجرد إدارة للواقع القائم، وتتحول المؤسسات من فضاءات للتدافع الديمقراطي إلى آليات لتدبير التوازنات المفروضة.
وتزداد حساسية هذا الخطاب بالنظر إلى المسار السياسي والفكري لوزير العدل، باعتباره فاعلاً حقوقياً ويسارياً سابقاً.
فهذا المعطى يمنح كلامه عمقاً تحليلياً، لكنه في المقابل يحمّله مسؤولية أكبر، لأن الاعتراف بالاختلال حين يصدر من داخل السلطة لا يُقرأ بوصفه موقف مراقب، بل بوصفه تعبيراً عن حدود الفعل من موقع المسؤولية.
وهنا يبرز التناقض بين النقد الذي كان يُمارس من خارج المؤسسات، واللغة التي تُستعمل من داخلها.
حين يُقال إن “القانون له حدود”، فإن ذلك توصيف صحيح من زاوية نظرية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الحدود من سقف جامد إلى أفق قابل للتوسيع عبر الإصلاح التدريجي، وتعزيز استقلالية القرار العمومي، وتقوية الثقة في المؤسسات.
أما الاكتفاء بتأكيد هذه الحدود دون الإشارة إلى إمكانات تجاوزها، فيُخاطر بتحويل الواقعية السياسية إلى تطبيع مع الاختلال البنيوي.
