كشفت مصادر إعلامية، اليوم الأربعاء، عن إطلاق وزارة النقل واللوجستيك دراسة وُصفت بـ“النوعية”، تروم تعزيز التكامل بين المؤسسات والمقاولات العمومية العاملة في قطاع اللوجستيك، في سياق قُدّم باعتباره تنزيلًا لتوصيات النموذج التنموي الجديد وسعيًا إلى تحسين الحكامة والنجاعة.
غير أن هذا الإعلان، رغم لغته المؤسساتية الهادئة، يفتح نقاشًا أوسع حول حدود الاستشارة التقنية، وموقع القرار العمومي، ومدى انسجام هذه المقاربة مع الأدوار الدستورية للإدارة العمومية.
فإلى حدود الساعة، لم تُعلن أي معطيات رسمية بشأن الكلفة المالية الإجمالية لهذه الدراسة، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول منسوب الشفافية المصاحب لهذا الورش، خصوصًا وأن الأمر يتعلق بدراسة وطنية واسعة النطاق تُنجز بشراكة مع مكتب خبرة دولي من حجم Roland Berger، وتشمل مؤسسات ومقاولات عمومية متعددة، إلى جانب متدخلين حكوميين وفاعلين اقتصاديين.
في السياق نفسه، تؤكد الوزارة الوصية، بقيادة عبد الصمد قيوح، أن الهدف من هذه المبادرة يتمثل في إرساء رؤية واضحة لتوزيع الأدوار وتعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الفاعلين العموميين. غير أن هذا الطموح، على وجاهته، يعيد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: هل ما يعانيه قطاع اللوجستيك هو نقص في التشخيص، أم إشكال في تفعيل القرارات وتنزيل الإصلاحات داخل منظومة مؤسساتية تتسم بتعدد مراكز التدخل وتداخل الاختصاصات؟
وفي هذا الإطار، يبرز البعد الدستوري للنقاش، إذ ينص الفصل 154 من الدستور المغربي على أن “المرافق العمومية تخضع في تسييرها لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع لتقييم أدائها”، وهو ما يجعل من حق الرأي العام مساءلة مدى انسجام اللجوء المتكرر إلى الدراسات والاستشارات مع متطلبات الفعالية والنجاعة المفترضة في تدبير السياسات العمومية.
ومن هذا المنطلق، فإن الاستعانة بمكاتب الاستشارة، بما فيها الأجنبية، تظل خيارًا مشروعًا من حيث المبدأ، لكنها تصبح محل نقاش حين تتحول إلى آلية دائمة تُسبق القرار العمومي أو تؤجل الحسم في إصلاحات طال انتظارها.
فالإشكال لا يكمن في الاستشارة في حد ذاتها، بل في ما إذا كانت تُستخدم كأداة دعم للقرار، أم كبديل عنه.
ويزداد هذا النقاش حدة في ظل سجلّ قطاع اللوجستيك، الذي راكم خلال السنوات الماضية عددًا من الاستراتيجيات والتقارير الوطنية التي خلصت إلى تشخيصات متقاربة بشأن اختلالات الحكامة وضعف الالتقائية وارتفاع الكلفة اللوجستيكية.
وهو ما يجعل الرهان الحقيقي اليوم ليس في إنتاج تشخيص جديد، بل في القدرة على تحويل المعرفة المتراكمة إلى قرارات واضحة، مؤطرة بآجال زمنية دقيقة، ومصحوبة بآليات تقييم ومساءلة.
كما يطرح هذا التوجه سؤالًا موازيًا حول موقع الكفاءات الوطنية داخل مسار الإصلاح؛ إذ إن بناء إدارة عمومية قوية لا يمر فقط عبر استيراد الخبرة، بل أيضًا عبر تمكين الموارد البشرية الوطنية من لعب دورها الكامل في التشخيص والتنفيذ والمتابعة، بما يضمن استدامة السياسات العمومية وعدم ارتهانها لدورات متتالية من الدراسات.
