كشفت المندوبية السامية للتخطيط عن نتائج بحث الظرفية لدى الأسر للفصل الرابع من سنة 2025، محددة مؤشر الثقة في 57,6 نقطة.
ورغم أن هذا الرقم يمثل “ذروة التفاؤل” خلال السنة، متجاوزاً عتبة الـ 46,5 نقطة المسجلة في نفس الفترة من عام 2024، إلا أن القراءة المتقاطعة للمؤشرات الفرعية تظهر هوة سحيقة بين التحسن الإحصائي “الماكرو” وبين الواقع السوسيو-اقتصادي المرير الذي تعيشه الأسر.
تحسن المزاج.. تأقلم سيكولوجي أم انفراج واقعي؟
إن الصعود الملحوظ لمؤشر الثقة يطرح إشكالية سيكولوجية بامتياز؛ فهل نحن أمام “انفراجة اقتصادية” أم مجرد حالة من “التعود النفسي” على الأزمات؟
رغم التحسن في المنحنى العام، صرحت 77,8% من الأسر بتدهور مستوى معيشتها خلال السنة الماضية.
هذا التناقض الصارخ يشير إلى أن الارتفاع المسجل في المؤشر ليس نتاج رفاه مادي مستجد، بل هو تعبير عن “تخفيض سقف التوقعات” بعد سنوات من الصدمات التضخمية المتتالية. الأسر المغربية، وبحكم واقع الحال، بدأت تقارن وضعها الحالي بسنوات الجفاف والتضخم الجامح، ما يجعل أي “استقرار في السوء” يبدو في لغة الأرقام كأنه “تحسن”.
سوق الشغل والادخار: العقد المستعصية
تظل النظرة المستقبلية لسوق الشغل “نقطة سوداء” في لوحة المؤشرات؛ ففي الوقت الذي نتحدث فيه عن تحسن الثقة، تتوقع 65,2% من الأسر ارتفاعاً في معدلات البطالة خلال العام المقبل.
هذا القلق البنيوي يعكس عدم ثقة المواطن في قدرة الآلة الإنتاجية الوطنية على خلق فرص شغل مستدامة تمتص الطلب المتزايد، خاصة في ظل التحولات المناخية التي تؤثر على القطاع الفلاحي المشغل الأول لليد العاملة.
أما على الصعيد المالي، فإن هشاشة التوازن الميزانياتي للأسر تبرز بوضوح؛ إذ إن 40% من الأسر تقتات من مدخراتها أو تلجأ للاقتراض لتغطية مصاريفها الجارية.
هذا الرقم يحمل دلالة خطيرة: الطبقة الوسطى والفقيرة تعيش حالة “نزيف مالي” مستمر، مما يجعل مفهوم “الثقة” مجرداً من أي أثر استهلاكي، حيث يظل ثلثا الأسر غير قادرين على اقتناء السلع المستدامة، معتبرين أن الظرفية غير ملائمة للاستهلاك.
من “الأرقام المركبة” إلى “الأثر الملموس”
إن القيمة المضافة لهذا التقرير تكمن في كونه “مرآة عاكسة” للفجوة بين السياسات العمومية والتمثلات الشعبية.
فبينما قد تسوق الحكومة هذه الأرقام كدليل على نجاعة برامج الدعم الاجتماعي المباشر أو التحكم في التضخم، تظل الأرصدة السلبية العميقة (مثل ناقص 72,5 نقطة لمستوى المعيشة) تذكرنا بأننا ما زلنا في “منطقة الخطر” الاقتصادي.
ختاماً، يمكن القول إن ارتفاع مؤشر ثقة الأسر في الفصل الأخير من 2025 هو “تحسن تقني” مشروط بحالة من الترقب.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في تحريك عقارب المؤشرات الإحصائية، بل في نقل هذا “التفاؤل الحذر” من الأوراق إلى جيوب المواطنين عبر إجراءات ملموسة تحمي القدرة الشرائية وتستعيد الثقة في سوق الشغل. دون ذلك، سيبقى مؤشر الثقة “رقماً إيجابياً” في سياق “واقع سلبي”.
