كشفت مصادر إعلامية أن عودة مشروع إحداث أنفاق وممرات تحت أرضية بمدينة القنيطرة إلى واجهة النقاش، خلال الدورة الأخيرة لمجلس الجماعة، لم تكن نتيجة نضج قرار مؤسساتي بقدر ما كانت انعكاساً لحالة ارتباك مزمنة في تدبير ملف التنقل الحضري داخل مدينة تعيش ضغطاً عمرانياً وديمغرافياً متسارعاً.
فالمشروع، الذي كان يُفترض أن يشكّل إحدى الركائز الهيكلية لتخفيف الاختناق المروري بمحاور استراتيجية، وجد نفسه محاصراً بخطاب جديد يتحدث عن “استحالة تقنية”، استناداً إلى دراسة أنجزها مكتب دراسات، في مشهد أعاد إلى الواجهة سؤال الثقة في منطق التخطيط الحضري الذي حكم اختيارات المدينة لسنوات، وراكم المشاريع أكثر مما راكم الحلول.
وتداولت أوساط محلية أن هذا التبرير التقني، بدل أن يطمئن الساكنة، زاد من منسوب الشك، خاصة أن مكاتب الدراسات ذاتها كانت قد صادقت في مراحل سابقة على مشاريع عمرانية كبرى تُوجَّه إليها اليوم أصابع الاتهام باعتبارها من بين الأسباب البنيوية لتفاقم الأزمة المرورية بدل معالجتها.
وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول حدود المسؤولية التقنية، وأين تنتهي، وأين تبدأ المسؤولية السياسية والمؤسساتية.
وفي هذا السياق، يرى متتبعون أن الإشكال لا يرتبط فقط بمدى صعوبة إنجاز الأنفاق من الناحية الهندسية، بل يتجاوز ذلك إلى غياب رؤية استراتيجية شاملة للتنقل الحضري، تجعل من كل مشروع جديد عبئاً معزولاً، لا حلقة ضمن تصور متكامل يربط بين التهيئة، التوسع العمراني، وتدبير تدفقات السير على المدى المتوسط والبعيد.
ويذهب فاعلون محليون إلى أن القنيطرة تؤدي اليوم كلفة تراكم سنوات من التدبير الظرفي، حيث انشغلت مجالس جماعية متعاقبة بحسابات انتخابية قصيرة النفس، بدل الاستثمار في حلول هيكلية تتناسب مع التحولات التي تعرفها المدينة.
وهو ما جعل النقاش حول الأنفاق يبدو وكأنه نقاش تقني صرف، في حين أنه في العمق نقاش حول فشل النموذج التدبيري المعتمد.
في المقابل، قدّم ممثل عمالة القنيطرة رواية مغايرة، مؤكداً أن الدراسة المتعلقة بإحداث ممر تحت أرضي لا تزال في طور الإنجاز، وأن المكتب المكلف بها يُعد من بين الأفضل على الصعيد الوطني، مع التشديد على أن أي حديث عن حسم تقني نهائي يبقى سابقاً لأوانه، وأن المقاربة المعتمدة تقوم على التشخيص الدقيق لا على قرارات متسرعة.
غير أن هذا الخطاب الرسمي لا يُبدّد كل المخاوف، خصوصاً في ظل الحديث عن كلفة مالية مرتفعة تُقدَّر بحوالي 400 مليون درهم، وهو رقم يعكس حجم التحدي المطروح، لكنه في الآن نفسه يعيد طرح سؤال الأولويات: هل كلفة الحلول الهيكلية أكبر فعلاً من كلفة الاستمرار في اختناق يومي يستنزف الزمن، والاقتصاد المحلي، وجودة العيش داخل المدينة؟
إن ملف أنفاق القنيطرة لم يعد مجرد مشروع تقني عالق، بل تحوّل إلى مرآة تعكس أزمة التخطيط الحضري وارتباك القرار العمومي، حيث يتقاطع منطق الدراسات، وضغط الواقع، وحسابات السياسة المحلية، في غياب رؤية واضحة قادرة على إقناع الساكنة بأن المدينة تُدار بعقل استراتيجي، لا بمنطق إدارة الأزمة وتأجيل الانفجار المروري.
