لم يكن ما كشفته جريدة “هسبريس” الإلكترونية مؤخراً من معطيات صادمة حول سرقة الماء والكهرباء مجرد خبر عابر يُضاف إلى سجل المخالفات اليومية، بل أقرب إلى تشريح صامت وبليغ لاقتصاد موازٍ ينمو في أحشاء الدولة ويقتات من مواردها الحيوية.
نحن أمام مشهد غير متكافئ تتداخل فيه السلطة بالريع في واحدة من أخطر صورها؛ دواوير وقرى تعاني العطش وندرة الماء، في مقابل وحدات صناعية عشوائية، وحمّامات، ومقاهٍ، وفضاءات ترفيهية تشتغل بالمجان، لا لأنها فقط خارج القانون، بل لأن أصحابها محميون بمنطق النفوذ المحلي، سواء كانوا منتخبين حاليين أو سابقين أو امتداداً عائلياً لهم.
القضية، كما وثقتها هسبريس، لا تتعلق بسلك كهربائي موصول خلسة أو أنبوب ماء مسروق من بئر جماعية، بل بسرقة موصوفة لحق جماعي في مورد نادر، جرى تحويله إلى امتياز خاص.
حين تُحوَّل الصهاريج والآبار المخصصة لتزويد الساكنة المهددة بالعطش إلى مصدر تموين لمعامل سرية واقتصاد ظل، فنحن لا نكون أمام خرق قانوني تقني، بل أمام جريمة أخلاقية وسياسية كاملة الأركان، تُقايَض فيها الأصوات الانتخابية بالماء والكهرباء، ويُستعمل فيها النفوذ لشرعنة الاعتداء على الملك العمومي.
وما بين سطور هذه المعطيات، يبرز المنتخب المحلي باعتباره الحلقة الأكثر حساسية وخطورة في هذه المعادلة.
فهو الذي يضغط على الجماعة للاستفادة من آبارها، وهو الذي يبتز المجالس لغض الطرف عن الربط السري، وقد يصل الأمر إلى توريث هذا النفوذ بعد العزل أو المتابعة، حمايةً لمناطق صناعية عشوائية قائمة فوق أراضٍ فلاحية أو أملاك تابعة للدولة.
نحن، إذن، أمام نمط اشتغال متكرر، تتحول فيه السلطة التقريرية المحلية من أداة خدمة عمومية إلى آلية لحماية “ريع مائي” صامت، لا ينكشف إلا حين يبلغ العطش مستوى يهدد الاستقرار الاجتماعي.
الاستنفار الأخير، الذي تقوده اللجان الإقليمية عبر دوريات التشدد وتفعيل النصوص القانونية، يوحي بأن الدولة حضرت أخيراً إلى ساحة المواجهة، لكن هذا الحضور يظل محاطاً بعلامات استفهام ثقيلة.
فالتقارير التحذيرية ليست جديدة، والتنبيهات الصادرة عن مؤسسات الرقابة موجودة منذ سنوات. الجديد ليس اكتشاف الخلل، بل بلوغ الأزمة عتبة لم يعد معها الصمت ممكناً.
وهنا يطرح السؤال بإلحاح: هل نحن أمام سياسة استباقية حقيقية، أم مجرد تدبير متأخر لأزمة فرضها الجفاف وتزايد الضغط الشعبي؟
الخطورة أن تُختزل المعالجة في قطع الماء أو تعليق التزويد بالكهرباء أو تسوية وضعيات عقارية، بينما يظل جوهر الإشكال بعيداً عن المساءلة.
من راكم الأرباح لسنوات باستغلال مورد جماعي؟ من حوّل العطش إلى ورقة انتخابية؟ ومن سيتحمل المسؤولية الجنائية والسياسية عن هذا الاستنزاف الصامت؟ دون إجابة واضحة عن هذه الأسئلة، ستظل الإجراءات المتخذة تقنية وباردة، لا تمسّ عمق المنظومة، وقد تتحول إلى أوراق ضغط ظرفية تُسحب مع أول تسوية سياسية أو انتخابية.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا المنطق يبعث برسالة مقلقة: في المغرب، سرقة الماء والكهرباء ليست دائماً جريمة فقراء، بل كثيراً ما تكون امتياز نافذين.
وحين يدخل الماء من باب السياسة، يخرج من صنبور المواطنة.
لذلك، فإن هذا الملف لا يحتاج إلى لجان تفتيش موسمية ولا إلى قرارات ظرفية، بل إلى إرادة سياسية حقيقية تعيد رسم الخط الفاصل بين السلطة والخدمة العمومية، وتعيد تعريف المنتخب المحلي بوضوح لا لبس فيه: إما خادماً للصالح العام، أو متهماً في سرقة حق المواطنين في الحياة.
