بينما يسجل المغرب سنوياً ما يقارب 4 آلاف وفاة بسبب حوادث السير، أي بمعدل يناهز 10 قتلى يومياً، يبرز إعلان وزارة النقل واللوجستيك تخصيص 800 مليار سنتيم (8 مليارات درهم) لتنزيل الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية للفترة 2026-2030 كأحد أكبر البرامج المالية الموجهة لهذا القطاع خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا الإعلان في سياق نقاش سياسي وبرلماني يتجاوز حجم الاعتمادات المرصودة إلى سؤال النجاعة والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كشفت مصادر إعلامية أن فرقاً برلمانية عبرت عن تحفظها بخصوص حجم الغلاف المالي المخصص للخطة الخماسية، معتبرة أن الأمر يستدعي توضيحات إضافية بشأن آليات التنزيل ومؤشرات القياس والتقييم المرحلي.
غير أن الجدل لا ينصب على مبدأ الاستثمار في السلامة الطرقية بقدر ما يتمحور حول كيفية ضمان تحويل هذا التمويل إلى نتائج ملموسة قابلة للقياس.
عبد الصمد قيوح
في عرض قدمه بالرباط، أكد وزير النقل واللوجستيك أن فئة مستعملي الدراجات النارية أصبحت تمثل قرابة 45% من مجموع ضحايا حوادث السير، بنحو 2300 قتيل سنوياً، مشيراً إلى أن عدد القتلى في صفوف مستعملي الدراجات ثنائية وثلاثية العجلات ارتفع بنسبة تتجاوز 63% بين 2015 و2024.
وتعكس هذه المعطيات تحولاً واضحاً في بنية المخاطر الطرقية، خصوصاً داخل الوسط الحضري حيث ارتفعت نسبة الوفيات في عدد من المدن الكبرى.
الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية
وتشير تقديرات الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية إلى أن الكلفة الاقتصادية السنوية لحوادث السير تبلغ نحو 20 مليار درهم، أي ما يعادل 1.7% من الناتج الداخلي الخام، وفق معايير وطنية ودولية تشمل تكاليف العلاج، وإصلاح الأضرار المادية، وفقدان الإنتاجية، والتأثير الاجتماعي لفقدان الأرواح.
ومن هذا المنظور، تبدو الميزانية المعلنة أقل من كلفة سنة واحدة من الخسائر المرتبطة بالحوادث، ما يعزز الطرح القائل بأن الاستثمار الوقائي قد يكون اقتصادياً مبرراً إذا ما اقترن بآليات تنفيذ فعالة وآليات تتبع دقيقة.
وتتضمن الاستراتيجية الجديدة مراجعة بعض مقتضيات مدونة السير لمواكبة التحولات الجارية، من بينها الانتشار المتزايد للدراجات النارية ذات الاستعمال المهني، إضافة إلى مقترحات تتعلق بتخفيض السرعة داخل بعض المحاور الحضرية إلى 40 كيلومتراً في الساعة، وتعزيز المراقبة التقنية للمركبات، وتشديد معايير السلامة، وتكثيف حملات التوعية.
غير أن خبراء في سياسات السلامة الطرقية يشيرون إلى أن التجارب الدولية تظهر أن فعالية أي استراتيجية لا تقاس بحجم الميزانية فقط، بل بمدى تكامل عناصرها، بما في ذلك تحسين البنية التحتية، وضبط شروط الفحص التقني، وتعزيز آليات المراقبة، وتطوير نظم جمع البيانات وتحليلها، إضافة إلى إشراك الجماعات الترابية في تهيئة المجال الحضري بما يقلص نقاط الخطر.
في هذا السياق، يطرح النقاش العمومي سؤالاً محورياً: هل تمثل السنوات الخمس المقبلة فرصة لإحداث تحول نوعي في منحنى الوفيات والإصابات، أم أن التحدي سيظل مرتبطاً بصعوبات التنفيذ والتنسيق بين المتدخلين؟ الإجابة لن تتحدد في النصوص القانونية أو البلاغات الرسمية، بل في المؤشرات الفعلية التي ستسجلها الطرق المغربية خلال أفق 2030، وفي قدرة المؤسسات المعنية على تحويل الموارد المالية إلى أثر قابل للقياس يحمي الأرواح ويحد من الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للحوادث.
