بين لغة الأرقام التي عرضها أمين التهراوي في لقاء الصخيرات، وبين واقع الممرات المكتظة في المستشفيات العمومية، تمتد فجوة تحاول الدولة الاجتماعية في المغرب ردمها بسرعة.
فحين يتحدث الوزير عن 497 نصاً قانونياً وميزانية تناهز 40 مليار درهم، يبدو المشهد وكأن البلاد أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة بناء المنظومة الصحية منذ عقود.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح يبقى بسيطاً في ظاهره وعميقاً في مضمونه: هل ستترجم هذه الأرقام فعلاً إلى تغيير ملموس في تجربة المرضى داخل المستشفيات العمومية؟
لم يكن عرض الوزير مجرد سرد لحصيلة تقنية، بل محاولة لتقديم صورة شاملة عن مسار إصلاح يندرج ضمن مشروع بناء الدولة الاجتماعية.
فالحكومة تشير إلى ترسانة قانونية غير مسبوقة بلغت 497 نصاً تشريعياً وتنظيمياً، وإلى مضاعفة ميزانية القطاع لتصل إلى نحو 40 مليار درهم، وهو ما يعكس، وفق الخطاب الرسمي، إرادة سياسية لإعادة هيكلة القطاع الصحي وتعزيز قدرته على الاستجابة لانتظارات المواطنين.
ومن أبرز المؤشرات التي استند إليها الوزير في عرض حصيلة الإصلاح، توسع التغطية الصحية لتشمل نحو 98 في المائة من السكان سنة 2025، مقابل 42 في المائة فقط قبل سنوات قليلة، أي ما يقارب 32 مليون مستفيد.
ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره خطوة كبيرة في مسار تعميم الحماية الاجتماعية، حيث أصبح ملايين المغاربة من العمال المستقلين وأصحاب المهن الحرة والفئات الهشة مشمولين بالتأمين الإجباري عن المرض.
غير أن هذا التوسع السريع في التغطية الصحية يضع المنظومة أمام معادلة معقدة.
فكلما اتسعت دائرة المستفيدين، ارتفع الضغط على مستشفيات تعاني أصلاً من نقص في الموارد البشرية والتجهيزات الطبية.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي للإصلاح؛ إذ إن تعميم التغطية دون توسيع العرض الصحي بالسرعة نفسها قد يحول هذا الإنجاز الاجتماعي إلى ضغط إضافي على المؤسسات الصحية العمومية.
فبالنسبة لعدد كبير من المواطنين، لا يزال الحصول على موعد طبي متخصص يستغرق أسابيع أو حتى أشهراً في بعض الحالات، كما يضطر مرضى كثر إلى التنقل لمسافات طويلة بحثاً عن خدمات غير متوفرة في مستشفياتهم الإقليمية.
وهذا الواقع يطرح سؤالاً أساسياً حول قدرة الإصلاحات الجارية على تقليص الفجوة بين التغطية المالية للعلاج والقدرة الفعلية للمؤسسات الصحية على تقديم الخدمات.
في المقابل، تشير الحكومة إلى أن جزءاً مهماً من الإصلاح يهم تحديث البنية التحتية الصحية.
فقد تم خلال السنوات الأخيرة افتتاح مستشفيات جامعية جديدة وإطلاق برنامج لإعادة تأهيل نحو 1400 مركز صحي أولي، يقع معظمها في المناطق القروية أو النائية.
وتهدف هذه المشاريع إلى تقريب الخدمات الصحية من المواطنين وتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج.
لكن البنية التحتية تبقى جانباً واحداً من المعادلة.
فنجاح أي منظومة صحية يرتبط أساساً بوفرة الموارد البشرية واستقرارها. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن عدد مهنيي الصحة ارتفع ليصل إلى نحو 95 ألف مهني، مع اعتماد تحفيزات مالية لتحسين جاذبية العمل في القطاع العمومي.
ومع ذلك، يظل تحدي استقطاب الأطباء والاحتفاظ بالكفاءات الطبية قائماً، في ظل استمرار هجرة عدد من الأطباء نحو الخارج بحثاً عن ظروف عمل أفضل.
إلى جانب ذلك، تراهن وزارة الصحة على إصلاحات تنظيمية جديدة، من بينها إحداث المجموعات الصحية الترابية وإطلاق ورش رقمنة المنظومة الصحية.
ويهدف هذا التوجه إلى إعادة تنظيم تدبير الخدمات الصحية على المستوى الجهوي، وتسهيل مسار العلاج عبر اعتماد الملف الطبي الرقمي وربط المؤسسات الصحية ببعضها البعض.
غير أن الرهان الحقيقي لهذه الإصلاحات لا يكمن فقط في عدد النصوص القانونية أو حجم الميزانيات المرصودة، بل في قدرتها على إحداث أثر ملموس في الحياة اليومية للمواطنين.
فالمريض الذي يسمع عن ترسيخ الحق في العلاج ينتظر قبل كل شيء أن يجد طبيباً في أقرب مستشفى، وأن يحصل على العلاج في آجال معقولة، وأن تختفي تدريجياً تلك العبارة التي طالما رافقت تجربة المرضى في المستشفيات العمومية: “سير تال العام الجاي”.
