الدولة الاجتماعية في المغرب لم تعد مجرد شعار سياسي مرفوع في الخطب الرسمية، بل أصبحت فاتورة اقتصادية ثقيلة تبحث عن ممول دائم.
تحت هذا الرهان الذي تقدمه الحكومة كواجهة لمرحلة سياسية جديدة، وضعت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، أمس السبت 7 مارس 2026 بالصخيرات، النقاط على الحروف في معادلة اقتصادية لا تقبل كثيراً من التأويل: لا رفاه اجتماعي دون عضلات اقتصادية قوية.
هذا الطرح الذي قدمته المسؤولة الحكومية خلال اللقاء الأول من فعاليات “مسار المستقبل”، الذي نظمه حزب التجمع الوطني للأحرار مع مهنيي الصحة، لا يبدو مجرد شرح تقني لمسار الإصلاح، بل يحمل في طياته محاولة واضحة لترويض التوقعات الشعبية المتزايدة، وربط الاستحقاقات الاجتماعية بقدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج الثروة.
فالسيولة، في نهاية المطاف، هي الوقود الحقيقي لمحرك الإصلاح، والنوايا وحدها لا تبني مستشفيات ولا تمول صناديق الدعم.
غير أن هذا الربط الشرطي يفتح الباب أمام تساؤلات قلقة حول مصير هذه المكتسبات إذا تعثرت ماكينة النمو أو استمرت التوازنات الماكرو-اقتصادية في الانحناء تحت ثقل المديونية والجفاف.
إن الأرقام التي تفتخر بها الحكومة، والمتعلقة باستفادة أربعة ملايين أسرة من الدعم الاجتماعي المباشر أكثر من 60 في المائة منها في العالم القروي تعكس تحولاً بنيوياً في علاقة الدولة بالمواطن. فقد انتقل الخطاب الرسمي من منطق “التدخل عند الأزمات” إلى خطاب “الاستثمار في الإنسان”.
غير أن هذا الاستثمار يواجه بدوره اختبار الواقع؛ فتركيز الدعم في المناطق الهشة يمثل محاولة لكسر حلقة الفقر المتوارث عبر الأجيال، لكنه في الوقت نفسه يضع ضغطاً كبيراً على الموارد الضريبية التي تعاني أصلاً من ضيق الوعاء.
ومن الصخيرات، أكدت الوزيرة أن استدامة هذه البرامج تبقى رهينة بنمو اقتصادي قادر على توليد الموارد الكافية، وهي عبارة تحمل بين سطورها إقراراً ضمنياً بأن استمرار هذا المسار دون توسيع القاعدة الإنتاجية أو إصلاح جبائي أعمق قد يحول “الدولة الاجتماعية” من رافعة تنموية إلى عبء ثقيل على التوازنات المالية.
في المسار الموازي، يبرز قطاع الصحة كحقل اختبار حقيقي لمدى جدية هذا التحول.
فالإصلاح لم يعد يتعلق فقط ببناء المستشفيات أو إطلاق البرامج، بل بات مرتبطاً بما تسميه الحكومة “الاستثمار في الرأسمال البشري”.
إشادة وزيرة الاقتصاد والمالية بالترسانة القانونية التي واكبت إصلاح المنظومة الصحية خلال لقائها بمهنيي الصحة تعكس إرادة سياسية لتثبيت هذا المسار، غير أن الواقع الميداني يطرح أسئلة أكثر تعقيداً.
فالأزمة التي يعيشها القطاع لا تتعلق فقط بالنصوص القانونية، بل تمتد إلى أزمة ثقة وظروف عمل صعبة وهجرة مستمرة للكفاءات الطبية.
وبين دعوة الحكومة إلى نقل “صورة متوازنة” عن الإصلاحات، تبقى الملفات المطلبية العالقة والخصاص الكبير في الأطر الطبية المؤشر الأكثر واقعية لقياس مدى نجاح هذا الورش.
في المحصلة، يبدو أن المغرب اختار السير في طريق الدولة الاجتماعية كخيار استراتيجي لا رجعة فيه.
غير أن هذا الخيار، رغم جرأته السياسية، يظل محفوفاً بتحديات اقتصادية حقيقية.
فالنجاح لن يقاس فقط بعدد القوانين المصادق عليها أو بحجم التحويلات المالية الشهرية، بل بقدرة الاقتصاد الوطني على خلق الثروة وفرص الشغل وإخراج ملايين الأسر من دائرة الاعتماد على الدعم إلى دائرة المساهمة في الإنتاج.
الرهان الحقيقي الذي يواجه الحكومة اليوم ومن سيقود المرحلة المقبلة بعد انتخابات 2026 هو تحويل هذه الجرعات الاجتماعية المسكنة إلى دينامية اقتصادية مستدامة توازن بين العدالة في التوزيع والقوة في التحصيل، حتى لا تتحول الدولة الاجتماعية إلى عنوان سياسي جذاب يتبخر مع أول عاصفة مالية تضرب التوازنات الكبرى للبلاد.
