في قراءة سياسية ودستورية وجيوسياسية مطولة، قدم الدكتور علاء الدين بنهادي، عبر منصته على يوتوب، تصورا متكاملا لطبيعة التحولات العميقة التي يشهدها النظام السياسي المغربي، رابطا بين هشاشة الأداء الحزبي الداخلي، وتصاعد المخاطر والتحولات الإقليمية والدولية، وبين ما اعتبره انتقالا متدرجا للمؤسسة الملكية من موقع “الحكم” الذي يراقب التوازنات من علٍ، إلى موقع “الحاكم” الذي يتدخل بشكل مباشر لتصحيح المسار وضمان استمرارية الدولة وحماية مصالحها العليا.
وبحسب هذا الطرح، فإن المغرب يوجد اليوم في لحظة دقيقة من تاريخه المعاصر، لحظة لم يعد فيها ممكنا، بحسب بنهادي، الاكتفاء بالحديث عن أعطاب المشهد السياسي الداخلي بمعزل عن الخريطة الجيوسياسية الجديدة التي يعاد رسمها في العالم على إيقاع الحروب والصراعات وإعادة توزيع النفوذ والثروة وموازين القوة. فالعالم، في نظره، لم يعد يتحرك بمنطق الشعارات أو الاصطفافات العاطفية، بل بمنطق البقاء، والمصالح، والقدرة على التموضع داخل نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، شديد القسوة والتنافسية.
وانطلاقا من هذا السياق، اعتبر بنهادي أن الدولة المغربية تواجه اليوم امتحانا وجوديا، قوامه إما تقوية جبهتها الداخلية ومؤسساتها ونخبها السياسية والاجتماعية والإدارية لكي تحجز لنفسها موقعا متقدما في هذا النظام العالمي الجديد، أو السقوط في ارتباك داخلي قد يضعف قدرتها على المواجهة والتموقع. ولهذا السبب، يرى أن النقاش الحقيقي لم يعد ينبغي أن ينحصر في اجترار نقد تقليدي للسلطة أو البكاء على نماذج سياسية مضت، بل في فهم ما الذي تسعى الدولة المغربية إلى بنائه وسط هذا المخاض العالمي.
في هذا الإطار، توقف بنهادي عند ما اعتبره أزمة بنيوية تعيشها الأحزاب السياسية المغربية، موضحا أن دستور 2011، رغم ما حمله من هندسة تقوم على فصل السلط وتوازنها وتعاونها، مع إقرار دور مركزي للمؤسسة الملكية باعتبارها الحكم الأسمى بين المؤسسات والضامن للسير العادي للدولة، كان يفترض أن يؤسس لتوزيع واضح للأدوار بين الملكية باعتبارها مرجعية تحكيمية عليا، وبين الحكومة بصفتها صاحبة السلطة التنفيذية المباشرة.
غير أن الممارسة السياسية خلال السنوات الأخيرة، بحسب تحليله، أفرزت واقعا مختلفا، اتسم بتراجع الأحزاب عن أداء وظائفها الدستورية والتأطيرية، وتحول جزء كبير منها إلى مجرد آلات انتخابية تفتقر إلى المشاريع المجتمعية الواضحة والبرامج الاقتصادية القادرة على الاستجابة للتحديات الهيكلية التي تواجه البلاد.
ويؤكد بنهادي أن هذا التراجع الحزبي لم يعد مجرد ضعف ظرفي، بل تحول إلى أزمة وساطة سياسية حقيقية.
فبدل أن تنتج الأحزاب نخباً قادرة على إدارة الشأن العام بتعقيداته الحديثة، وبلورة رؤى إصلاحية ومجتمعية متماسكة، دخلت، في رأيه، في منطق الصراع حول الموارد، وهيمنة الأعيان وأصحاب النفوذ المالي، واستعمال آليات زبونية وانتخابية أضعفت ثقة المواطن في الفعل الحزبي وفي العملية الديمقراطية برمتها.
كما رافق ذلك، وفق نفس القراءة، تشظي المشهد الإعلامي وغياب الاستقطابات المنهجية الواضحة، بما جعل المواطن عرضة لخطابات سطحية وشعبوية، وحوّل جزءا من الإعلام إلى عنصر يؤجج الصراع السياسي لأغراض مصلحية.
ضمن هذا السياق، يطرح بنهادي السؤال المركزي: كيف يمكن للملك أن يكون حاكما لا حكما في هذه الظروف الداخلية الدقيقة والتحولات الجيوسياسية الشرسة، من دون إحداث قطيعة مع الروح الدستورية المؤسِّسة للدولة الحديثة؟ ويجيب بأن الأمر لا يتعلق، في نظره، بانقلاب على الدستور، بل بتأويل ديناميكي وبراغماتي للوثيقة الدستورية نفسها في ضوء الأزمات والتحولات.
فالفصل 42 من الدستور يمنح الملك، بصفته رئيس الدولة، مهمة ضمان دوام الدولة واستمرارها، وصيانة استقلال البلاد ووحدتها الترابية، والسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات.
وعندما تتخلى الأحزاب، وفق منطقه، عن أدوارها التأطيرية والتنموية، وتفشل الحكومة في الوفاء بالتزاماتها، كما يقول في توصيفه للحكومة الحالية، يصبح التدخل الملكي المباشر ضرورة بقاء، لا مجرد خيار سياسي.
ومن هنا، يرى بنهادي أن الممارسة الفعلية في المغرب تتجه نحو نوع من “الحكامة الاستراتيجية المباشرة”، حيث يتحول الملك إلى مهندس أول للسياسات الكبرى، والموجه الفعلي للاستراتيجيات الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية، في مقابل تراجع دور الفاعل الحزبي في التخطيط والقيادة.
ويعتبر أن هذا التحول لا يناقض النص الدستوري، بل يستند كذلك إلى مساحات التداخل الموجودة في الممارسة التنفيذية، وخاصة في التعيين في المناصب العليا والمؤسسات الاستراتيجية بموجب الفصل 49، إضافة إلى ما يمنحه الفصل 59 من صلاحيات واسعة في حالة الاستثناء إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة.
ويشدد بنهادي على أن الملكية لم تعد، وفق هذا التصور، مجرد مؤسسة تراقب اللعبة من بعيد، بل صارت، بقوة الواقع والدستور معا، تتدخل لتصحيح الاختلالات وحماية المرفق العام وضمان استمرارية الدولة.
وفي هذا السياق، يربط بين هذا التحول وبين ما يسميه “شرعية الإنجاز”، معتبرا أن المؤسسة الملكية تعيد اليوم إنتاج مشروعيتها ليس فقط من خلال البيعة والروابط الدينية والتاريخية، ولكن أيضا باعتبارها ضرورة عقلانية ووظيفية لضمان استمرار التحديث الاقتصادي وحماية السيادة الجيوسياسية في زمن مضطرب.
وفي تحليله لأوجه هذا التحول، يتوقف بنهادي عند صعود التكنوقراط داخل بنية السلطة التنفيذية، معتبرا أن الاعتماد المتزايد على كفاءات غير حزبية في تدبير قطاعات حساسة، لم يعد مجرد استثناء أو تدبير ظرفي، بل أصبح، في نظره، جزءا من نموذج حكم جديد.
فبعدما كان هذا الخيار يقتصر في السابق على بعض الوزارات السيادية التقليدية، امتد ليشمل قطاعات اجتماعية واقتصادية حيوية مثل الصحة والتعليم العالي والاقتصاد والمالية والاستثمار، بعد ما يعتبره “فشلا ذريعا” لعدد من الوزراء المتحزبين في تلبية انتظارات المواطنين وإصلاح القطاعات التي أشرفوا عليها.
ويذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن هذا التوجه أنتج ما يشبه “سلطة تنفيذية مزدوجة” داخل الحكومة الواحدة؛ سلطة حزبية تتكفل بتدبير الشأن اليومي، والتواصل السياسي، وامتصاص الاحتقان، وسلطة أخرى يقودها ما يصفه بـ”حزب الإدارة والكفاءات التكنوقراطية” المرتبط سياسيا وعمليا بالمؤسسة الملكية، والمكلف بقيادة الملفات الاستراتيجية الكبرى ذات الطابع الأمني والجيوسياسي والتنموي.
كما يتوقف عند لجوء الدولة، بحسب تحليله، إلى بناء آليات موازية للعمل الحكومي التقليدي، لتجاوز بطء البيروقراطية الحزبية.
ويعتبر أن تشكيل اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي كان مثالا واضحا على هذا التوجه، حيث لم تكن مجرد هيئة استشارية عابرة، بل أقرب إلى “حكومة ظل فكرية واستراتيجية” وضعت خريطة طريق للدولة على المدى البعيد، بعد اقتناع في أعلى مستويات الدولة بعجز جزء كبير من الأحزاب، سواء في الأغلبية أو المعارضة، عن إنتاج حلول هيكلية وعميقة للفوارق الاجتماعية والمجالية والتأخر التنموي.
وانتقل بنهادي بعد ذلك إلى البعد الجيوسياسي، الذي اعتبره مفتاحا أساسيا لفهم صعود هذا النمط من الحكامة الملكية المباشرة.
فالمغرب، بحسب قراءته، يوجد في محيط إقليمي وقاري شديد التعقيد، يفرض عليه إدارة صراعات متعددة المستويات، بعضها ذو طبيعة وجودية مباشرة، وبعضها الآخر تنافسي أو جيواقتصادي.
في هذا السياق، يقدم الجزائر باعتبارها التهديد الجيوسياسي التقليدي والأخطر، ويرى أن التوتر معها بلغ مستويات غير مسبوقة منذ قطع العلاقات وإغلاق المجال الجوي، في ظل استمرار دعمها لجبهة البوليساريو، وما يعتبره محاولات لتطويق المغرب إقليميا، فضلا عن المخاوف المرتبطة بأي دعم خارجي يمكن أن يعزز قدرات الجبهة.
ويرى أن المؤسسة الملكية تدير هذا الصراع بمنطق الاحتواء الذكي والتطويق الجيواستراتيجي، بدل الانجرار إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، وذلك من خلال تقويض النفوذ الجزائري داخل إفريقيا، وتجريد الطرح الانفصالي من شرعيته الدبلوماسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الجاهزية الكاملة للرد على أي استفزاز.
أما جنوب إفريقيا، فيصنفها ضمن الخصوم الدبلوماسيين الأشد تأثيرا في القارة، بالنظر إلى تحالفها مع الجزائر ودعمها الصريح للطرح الانفصالي داخل الاتحاد الإفريقي والمنابر الدولية.
غير أنه يرى أن الدبلوماسية المغربية، بقيادة الملك، بدأت تحقق اختراقات مهمة داخل المجال الإفريقي الجنوبي، سواء عبر دفع دول مؤثرة إلى سحب اعترافها بالكيان الانفصالي وفتح قنصليات في الأقاليم الجنوبية، أو عبر بروز أصوات داخل جنوب إفريقيا نفسها بدأت تعيد النظر في الموقف التقليدي من قضية الصحراء، معتبرا ذلك دليلا على نجاعة دبلوماسية براغماتية تقوم على الاستثمار والشراكة بدل الشعارات الإيديولوجية.
وفي حديثه عن مصر، يميز بنهادي بين الخصومة الوجودية مع الجزائر، والخلاف الإيديولوجي مع جنوب إفريقيا، وبين المنافسة الجيواقتصادية مع القاهرة، خاصة في قطاعات الموانئ وصناعة السيارات والمكونات.
ويرى أن المغرب استطاع، بتوجيهات ملكية، أن يسبق عددا من الفاعلين الإقليميين في بناء بنية تحتية صناعية ولوجستية مكنته من التحول إلى فاعل بارز في صناعة السيارات بالقارة، وإلى منصة مينائية محورية، خاصة في ظل اضطرابات البحر الأحمر وتأثر قناة السويس، مع التأكيد في المقابل على أن المنافسة لا تمنع الإبقاء على قنوات التعاون مفتوحة لتفادي الانزلاق إلى صدامات تجارية سلبية.
وفي مقابل هذا، يقدم العلاقة مع نيجيريا باعتبارها نموذجا للتحول من منطق التنافس أو الخصومة إلى منطق التحالف الاستراتيجي المهيكل، من خلال مشاريع كبرى مثل أنبوب الغاز المغربي-النيجيري، الذي يعتبره مشروعا جيوسياسيا بامتياز، يتجاوز البعد الطاقي ليعيد تشكيل التوازنات في غرب إفريقيا.
ويرى أن هذا التحول يؤكد كيف تمارس المؤسسة الملكية دورها كحاكم استراتيجي قادر على قلب المعادلات الإقليمية عبر الدبلوماسية الاقتصادية والمشاريع المهيكلة.
كما يولي بنهادي أهمية خاصة للمبادرة الأطلسية التي أطلقها المغرب لفائدة دول الساحل، معتبرا أنها ليست مجرد عرض لوجستي لتمكين هذه الدول من الولوج إلى المحيط الأطلسي، بل رؤية جيوسياسية عميقة تهدف إلى فك العزلة الاقتصادية عن تلك البلدان، وربطها بسلاسل التوريد العالمية عبر البنية التحتية المغربية، بما يسهم في الحد من الهشاشة التي تتغذى منها ظواهر الإرهاب والتطرف والهجرة غير النظامية والتهريب.
وفي الوقت ذاته، يرى أن هذه المبادرة تشكل أداة لتطويق خصوم المغرب وسحب دول الساحل من دائرة النفوذ الجزائري، وربطها عضويا بالاقتصاد الأطلسي المغربي، مع ما يرافق ذلك من تعزيز للتعاون الأمني والاستخباراتي والدبلوماسية الروحية عبر تكوين الأئمة والمرشدين.
وفي صلب هذه الرؤية، يبرز البعد العسكري والأمني بقوة، إذ يشدد بنهادي على أن التوسع الجيوسياسي المغربي لا يمكن أن يقوم فقط على الاقتصاد والدبلوماسية، بل يحتاج إلى منظومة دفاعية وأمنية إقليمية رادعة، يشرف عليها الملك باعتباره القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية.
ومن ثم، فإن الملفات الأمنية والعسكرية، إلى جانب السياسة الخارجية والخيارات الجيوسياسية الكبرى، تدخل، بحسب منطقه، في صلب الاختصاصات التي ينبغي أن تظل تحت قيادة ملكية مباشرة، بالنظر إلى حساسية المرحلة وتعقيداتها.
واعتبر أن الحكومات الحزبية، المتولدة غالبا عن تحالفات هشة، لا تمتلك في العادة لا العمق الاستراتيجي ولا الاستمرارية الزمنية ولا المصداقية الكافية للتفاوض البنّاء مع القوى الكبرى، أو لإدارة ملفات من قبيل العلاقات مع الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي وتركيا، أو تدبير التعقيدات المرتبطة بأمن الساحل، أو العلاقة المتوترة مع الجزائر، أو التحالفات الجديدة والحساسة في المنطقة. ولهذا، فإن دور الحكومة، وفق هذا التصور، يقتصر أكثر فأكثر على تأمين السند اللوجستي والمالي وتنزيل الخيارات الكبرى والدفاع عنها إعلاميا وسياسيا.
وفي الجزء الأخير من تحليله، قدم بنهادي ما يشبه خريطة طريق لتكريس هذا النمط من الحكامة الاستراتيجية.
فهو يدعو، أولا، إلى ترسيخ ثقافة التقييم المؤسساتي المستقل، من خلال تفعيل أوسع لتقارير اللجان والمجالس الدستورية والاقتصادية، حتى تصبح أدوات فعلية لضبط الإيقاع الحكومي ومحاسبة المقصرين بشكل استباقي.
كما يدعو، ثانيا، إلى تسريع التنزيل العملي للمبادرة الأطلسية ولمشروع أنبوب الغاز المغربي-النيجيري، مع إبقائهما تحت الإشراف المباشر للأجهزة الملكية والسيادية باعتبارهما مشروعين حاسمين للأمن القومي. ويشدد، ثالثا، على ضرورة تعزيز القدرات الاقتصادية الاستباقية لمواجهة التحولات الأوروبية والأمريكية، مثل رسوم الكربون وقوانين خفض التضخم، وتحويل المغرب بصورة نهائية إلى منصة صناعية ولوجستية لا غنى عنها في سلاسل القيمة العالمية.
أما رابعا، فيؤكد على ضرورة مواصلة بناء القدرات الدفاعية والتصنيعية الذاتية للمغرب وتعميق الشراكات العسكرية والاستخباراتية مع الحلفاء التقليديين والجدد، بما يضمن للمملكة تفوقا استراتيجيا في محيطها المغاربي والإفريقي.
وخلاصة هذا التصور، كما عرضه بنهادي، أن الانزياح التدريجي للمؤسسة الملكية نحو ممارسة الحكم الفعلي ليس، في نظره، خروجا عن الدستور، بل تفعيل أكثر واقعية لروح الدولة ولمفهوم الملك باعتباره الضامن الأسمى لاستمراريتها وأمنها وسلامة أراضيها، في ظرفية عالمية “لا تعترف إلا بالأقوياء”.
كما يرى أن شرعية الملكية في المرحلة الحالية لا يعاد إنتاجها فقط عبر التاريخ والدين والبيعة، بل أيضا عبر الفعالية والقدرة على الإنجاز وضبط الإيقاع العام للدولة في زمن التحولات الحادة.
واستحضر بنهادي في ختام مداخلته جواب الملك الراحل الحسن الثاني، في حوار تلفزيوني مع الصحافية الفرنسية آن سانكلير، حين سئل إن كان يتمنى أن تكون فترة حكم ولي العهد الأمير سيدي محمد سهلة، فأجاب بأنه يتمنى أن تكون صعبة، لأن ذلك يعني أن الشعب سيكون محتاجا إلى هذه الملكية لتكون أول خادم لهذه المملكة.
وهي الخلاصة التي أراد منها، فيما يبدو، تأكيد أن صعوبة المرحلة ليست مبررا للفراغ، بل مسوغ لتعزيز مركزية المؤسسة الملكية باعتبارها، في نظره، نقطة التوازن والحسم والقيادة داخل الدولة المغربية.
