بينما تقدم السلطات العمومية رقمنة الصفقات العمومية باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية لتعزيز الشفافية وتحسين تدبير المال العام، تبرز من حين لآخر معطيات إدارية تثير نقاشاً حول واقع المنافسة في سوق الصفقات على مستوى بعض الجماعات الترابية.
فالانتقال إلى التدبير الرقمي عبر البوابة الوطنية للصفقات العمومية يمثل خطوة مهمة في مسار تحديث الإدارة، غير أن هذه الآلية التقنية لا تلغي بالضرورة كل الإشكالات المرتبطة بمراحل إعداد الصفقات وتدبيرها.
في هذا السياق، أفادت معطيات نقلها موقع هسبريس بأن تقارير متداولة داخل مصالح وزارة الداخلية سجلت ملاحظات تتعلق بتكرار فوز شركات بعينها بصفقات داخل الجماعات نفسها، رغم اختلاف طبيعة المشاريع والأشغال المعروضة.
وقد رُصدت هذه المؤشرات في عدد من الجهات الترابية، من بينها جهة الدار البيضاء سطات وجهة مراكش آسفي وجهة الرباط سلا القنيطرة، ما دفع المصالح المختصة إلى إعادة النظر في بعض المساطر المرتبطة بإبرام الصفقات المحلية.
ويشير هذا المعطى إلى نقاش أوسع حول طبيعة المنافسة في سوق الصفقات العمومية، إذ إن تكرار فوز بعض الشركات بصفقات متعددة قد يعكس في بعض الحالات خبرة مهنية وقدرة تقنية تمكنها من الاستجابة لمتطلبات المشاريع المختلفة.
وفي المقابل، يرى متتبعون أن هذا الوضع قد يطرح أيضاً تساؤلات حول مدى اتساع قاعدة المنافسة وإمكانية ولوج عدد أكبر من المقاولات إلى هذه السوق.
كما يلفت بعض المتخصصين إلى أن جزءاً من النقاش المرتبط بالصفقات العمومية يتصل بمرحلة إعداد دفاتر التحملات، وهي المرحلة التي يتم خلالها تحديد الشروط التقنية والمالية للمشاركة في طلبات العروض.
وتعد هذه المرحلة أساسية في ضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين، إذ إن صياغة الشروط بطريقة دقيقة ومتوازنة تسهم في توسيع دائرة المشاركة وتدعيم المنافسة.
من جهة أخرى، يبرز جانب آخر من تدبير الطلبيات العمومية عبر ما يعرف بسندات الطلب، وهي آلية قانونية مخصصة لتغطية بعض الحاجيات الصغيرة أو المستعجلة للجماعات.
غير أن بعض التقارير الإدارية تشير إلى أهمية تتبع كيفية استعمال هذه الآلية لضمان احترام الضوابط القانونية المؤطرة لها، خاصة في الحالات التي قد تتعلق بتعدد سندات الطلب المرتبطة بمشاريع متقاربة.
كما سجلت بعض الوثائق الإدارية حالات تم فيها إلغاء صفقات تمت المصادقة عليها في وقت سابق بدعوى نقص الاعتمادات المالية، وهو ما أعاد طرح النقاش حول أهمية التنسيق بين البرمجة المالية للمشاريع والقرارات المرتبطة بإطلاق الصفقات العمومية.
وفي هذا الإطار، يأتي اهتمام مصالح وزارة الداخلية بتتبع هذه الملفات في سياق أوسع يهدف إلى تعزيز الحكامة في تدبير الصفقات على المستوى المحلي، من خلال تفعيل آليات المراقبة الإدارية وتقوية دور المصالح المختصة في تتبع المساطر المرتبطة بالطلبيات العمومية.
وتظل الصفقات العمومية أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الجماعات الترابية لتنفيذ مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية، كما تمثل في الوقت ذاته مجالاً مهماً لدعم المقاولات وتشجيع الاستثمار المحلي.
لذلك فإن تعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص داخل هذا المجال يظل من بين التحديات الأساسية المرتبطة بتطوير الحكامة الترابية وتحسين جودة تدبير الموارد العمومية.
