بينما يغرق المواطن في دوامة البحث عن أجوبة لأسئلة تضخم الأسعار وتآكل القدرة الشرائية وتهديدات السيادة الطاقية، وتتسابق المؤسسات الدولية لرسم ملامح “المغرب الجديد” عبر تقارير الماكرو-اقتصاد، تصر فئة من “نخبة المقاعد الفخمة” على تحويل المؤسسة التشريعية إلى ملاذ آمن للصمت المطبق، في مشهد سريالي يزاوج بين الحصانة الدستورية والعطالة الرقابية.
نحن هنا لا نتحدث عن كسل عابر أو ضعف في التواصل، بل نشخص اختلالاً سياسياً واضحاً تُدفع فواتيره من جيوب دافعي الضرائب، وتُقايض فيه أمانة التكليف بصكوك “الريع الانتخابي” الغليظ.
إن هذا البرلماني “الصامت” الذي يقضي خمس سنوات كاملة من الولاية التشريعية في حالة “خرس مؤسساتي” متعمد، لم يسجل خلالها حضوراً يذكر في النقاش العمومي، ليس ضحية لضعف في التكوين أو رهبة من الميكروفون، بل هو في الغالب فاعل نفوذ بامتياز، دخل المعترك السياسي ليحول مقعده إلى “درع قانوني” ووجاهة اجتماعية تفتح له الأبواب الموصدة لتزييت محركات مصالحه في العقارات والصفقات المحلية وشركات “الريع” التي تنمو في ظل الفراغ الرقابي المريب.
كيف يستقيم منطق “الدولة الاجتماعية” الموعودة مع استمرار صرف ملايين الدراهم شهرياً كتعويضات وامتيازات لنواب قضوا نصف عقد من الزمن “مقفلي الأفواه”، لا يجرؤون حتى على طرح سؤال كتابي “باهت” حول اختلالات قطاع الصحة أو التعليم في دوائرهم؟ إن تحول التعويض البرلماني إلى ما يشبه “الراتب السياسي المقطوع” دون ربطه بحد أدنى من المردودية التشريعية، هو تكريس فج لمنطق “الأشباح المؤسساتية” التي تقتات على هيبة الدولة.
المواطن الذي يقف في طوابير الانتظار أو يعاني من تغول اللوبيات، يجد نائبه “المفترض” منشغلاً في كواليس البرلمان بعقد تفاهمات غير معلنة أو حماية شبكات المصالح الضيقة، محولاً التفويض الشعبي إلى “شيك على بياض” يخدم أجندات شخصية ضيقة لا تتقاطع أبداً مع هموم الشارع.
وهنا يبرز السؤال الحارق: من يحاسب هؤلاء الذين “أقفلوا أفواههم” اختيارياً لولاية كاملة؟ ومن يراقب هذا الصمت الذي تحول إلى “سهم استثماري” يدر الأرباح والامتيازات دون تقديم أي مقابل للوطن؟
إن هذا الصمت الممنهج ليس غياباً للفعل فحسب، بل هو “تواطؤ” ضمني يمنح السلطة التنفيذية والقطاعات الوزارية الكبرى فرصة التوسع بعيداً عن أعين الرقابة الحقيقية، والمسؤولية هنا لا تسقط على عاتق “النائب الشبح” وحده، بل تتحملها الماكينات الحزبية التي باتت تعمل كـ”وكالات انتخابية” تراهن على “صقور” الدوائر الذين يملكون المال والقدرة على حشد الأصوات، وتتغاضى عن ضعف حضورهم التشريعي ما داموا يضمنون لها الأرقام والكتلة العددية داخل القبة، في معادلة سياسية معقدة تضعف جودة السياسات العامة لصالح “كم” المقاعد.
فعندما تغيب الأسئلة الحارقة حول صفقات الاستثمار الكبرى وميزانيات “المشاريع الكبرى” التي لا يلمس المواطن أثرها، يتحول البرلمان من “مختبر للحلول” إلى فضاء يمرر القرارات ويمضي الميزانيات في صمت يثير أكثر من علامة استفهام.
لقد حان الوقت لكسر هذه الدائرة المفرغة عبر تفعيل ما يمكن تسميته بـ”عدالة الأداء”؛ فلا يعقل أن يتساوى البرلماني الذي يشرّح السياسات العامة في اللجان الدائمة مع “الأعيان” الذين لا يظهرون إلا في جلسات الافتتاح الرسمية لالتقاط الصور بلباسهم التقليدي، بينما أفواههم “مُقفلة” بأقفال المصالح واللوبيات.
إن الحل يكمن في رفع سقف المساءلة السياسية المشروعة من طرف الصحافة الاستقصائية ومنظمات المجتمع المدني، ونشر “بورصة الأداء” البرلماني بشكل دوري، ليعرف الناخب أن الصوت الذي منحه “للصامت” هو في الحقيقة “رصاصة” في صدر الديمقراطية التمثيلية.
فالبرلمان القوي لا يُقاس بحجم القاعات ولا بفخامة الكراسي، بل بقوة الأصوات التي تراقب السياسات العامة وتواجه الاختلالات، أما تلك المقاعد التي يسكنها الصمت لخمس سنوات عجاف، فهي ليست سوى رموز سياسية مكلفة تُبدد فيها آمال المواطنين في مؤسسات تحاسب وتعاقب وتحمي لقمة عيشهم من منطق الريع المتجدد.
