بقلم: الباز عبدالإله
أعاد تقرير جديد لمنظمة العفو الدولية، صادر اليوم 8 يونيو 2026، تسليط الضوء على شبكات الاحتيال الإلكتروني والاتجار بالبشر في كمبوديا، بعدما أدرج الجنسية المغربية ضمن جنسيات ناجين تحدثوا عن استدراجهم بعروض عمل وهمية قبل إخضاعهم، حسب شهاداتهم، لظروف استغلال وتهديد وإكراه داخل مراكز مغلقة.
ويستند التقرير إلى شهادات 73 ناجياً من 16 جنسية، من بينها الجنسية المغربية، مع معطيات تتحدث عن وجود أو سبق وجود ما لا يقل عن 86 مركزاً للاحتيال الإلكتروني في كمبوديا بين سنتي 2022 و2026.
ورغم أن الملف يبدو في ظاهره بعيداً جغرافياً، فإن حضور اسم المغرب داخله يفتح نقاشاً مباشراً حول حماية المواطنين بالخارج، واليقظة القنصلية، والتحذير المبكر من عروض التشغيل المشبوهة العابرة للحدود.
المعطى المغربي هنا لا ينبغي أن يمر كتفصيل عابر داخل تقرير دولي طويل.
حين تظهر الجنسية المغربية ضمن جنسيات ناجين من هذا النوع من الاستغلال، فإن الملف يغادر خانة الخبر الخارجي، ويدخل مباشرة إلى سؤال السياسات العمومية الموجهة لحماية المواطن خارج الحدود، خصوصاً في زمن تحولت فيه منصات التواصل ومواقع التشغيل إلى فضاءات مفتوحة للفرص، وأحياناً للفخاخ.
تقول منظمة العفو الدولية إن شبكات احتيال إلكتروني في كمبوديا استدرجت ضحايا من بلدان مختلفة بعروض عمل تبدو مغرية، قبل أن يجد بعضهم أنفسهم داخل فضاءات مغلقة، مجبرين على الاشتغال في أنشطة احتيالية رقمية تحت الضغط والتهديد.
كما تشير المنظمة إلى أن أدلة تدخل السلطات الكمبودية ظهرت في 24 موقعاً فقط من أصل 86 مركزاً رصدته أو وثقت وجوده أو سبق وجوده.
الأكثر حساسية في التقرير أن المنظمة تؤكد أن أياً من الناجين الـ73 الذين قابلتهم لم يُعترف به رسمياً كضحية اتجار بالبشر، رغم أن تقييمها يعتبر أنهم يستوفون التعريف الدولي لهذا النوع من الاستغلال.
وهذا المعطى لا يخص كمبوديا وحدها، بل يضع حكومات البلدان التي ينتمي إليها الناجون أمام سؤال المساعدة، والتتبع، وحماية العائدين من شبكات منظمة تتحرك خارج الحدود وبأدوات رقمية معقدة.
بالنسبة للمغرب، لا يتعلق الأمر بعدد معلن من الضحايا المغاربة، ولا بملف قضائي محلي محدد، بل بإشارة كافية لفتح نقاش أكبر حول كيفية وصول مواطنين مغاربة إلى هذا النوع من الشبكات، وحول قدرة القنوات الرسمية على التقاط إشارات الخطر مبكراً، قبل أن يتحول وعد العمل إلى مصيدة، وقبل أن يصبح المواطن مجرد اسم ضمن تقرير حقوقي دولي.
هنا تصبح الحماية القنصلية أكثر من خدمة إدارية مرتبطة بالوثائق أو التدخل عند الطوارئ.
تصبح جزءاً من دبلوماسية وقائية، مهمتها التحذير قبل الضرر، والتواصل مع المواطنين بلغة واضحة، وتوفير قنوات سريعة للتبليغ، والتنسيق مع الدول والمنظمات الدولية كلما ظهرت شبهات اتجار بالبشر أو استغلال قسري لمواطنين مغاربة في الخارج.
المغرب يملك خطاباً قوياً حول حماية الجالية والمواطنين خارج التراب الوطني، غير أن هذا النوع من الملفات يفرض الانتقال من الخطاب العام إلى آليات عملية أكثر يقظة.
فالشاب الذي يبحث عن فرصة عمل في الخارج لا يحتاج فقط إلى نصائح عامة، بل إلى إنذار واضح من عروض التشغيل الغامضة، ومن الوسطاء غير المعروفين، ومن العقود التي تبدو مثالية أكثر مما ينبغي.
المسألة لا تحتمل التهويل، لكنها لا تحتمل الصمت أيضاً المطلوب ليس توزيع الاتهامات، بل بناء سياسة عمومية أكثر وضوحاً في مواجهة سوق الوعود الوهمية، خصوصاً حين يتعلق الأمر ببلدان بعيدة، وشبكات عابرة للحدود، وإعلانات تشغيل تتحرك بسرعة أكبر من قدرة الأسر على التحقق، وأحياناً أكبر من قدرة الإدارات على المواكبة.
تقرير العفو الدولية لا يقدم فقط معطيات عن مراكز احتيال في كمبوديا.
إنه يفتح نافذة على شكل جديد من المخاطر التي تلاحق الشباب خارج الحدود، حيث قد يتحول الحلم بالسفر والعمل إلى استغلال منظم خلف واجهة رقمية لامعة.
وبين إعلان النوايا وحماية المواطن، توجد دائماً مسافة دقيقة اسمها الفعل.
وهي المسافة التي لا تقيسها البلاغات، بل يختبرها المواطن حين يحتاج إلى مؤسسات تسبقه إلى الخطر، لا تلحق به بعد فوات الأوان.
