بينما تستعد القناة العمومية الفرنسية “فرانس تيليفيزيون” لبث سهرتها الموسيقية “Voyage Voyage.. النجوم يغنون في المغرب” يوم 13 مارس، يجد المغرب نفسه مرة أخرى في قلب تجربة ترويجية تستهدف ملايين المشاهدين في فرنسا، لكنها في العمق تعيد طرح الأسئلة الحارقة حول “كلفة الصورة” وجدوى توجيه الميزانيات العمومية إلى حملات ترويجية خارجية يثير أثرها نقاشاً متزايداً في الأوساط المهنية.
إن المبادرة التي يقودها المكتب الوطني المغربي للسياحة تُقدَّم رسمياً كـ”نافذة ثقافية”، لكنها في نظر عدد من المتابعين تعيد إنتاج صورة سياحية تقليدية تختزل سحر المملكة في عروض النجوم الفرنكوفونيين بين أسوار “الأوداية” وقصور “ورزازات”.
وهنا يبرز سؤال مهني جوهري: هل ما زال السائح المعاصر في سنة 2026، الذي تحركه تقييمات المنصات الرقمية وتجارب السفر الواقعية، يعتمد على البرامج التلفزيونية المصممة سلفاً في اتخاذ قراره السياحي؟
إن مثل هذه الإنتاجات التلفزيونية الدولية تندرج ضمن الاستراتيجية الترويجية التي يعتمدها المكتب الوطني المغربي للسياحة لاستهداف الأسواق الأوروبية، خصوصاً السوق الفرنسية التي تظل من أهم الأسواق المصدرة للسياح نحو المملكة.
غير أن أكثر ما يثير النقاش في هذه المبادرات هو جدار الصمت المضروب حول “الفاتورة” الإجمالية؛ ففي الوقت الذي يتحدث فيه الخطاب الرسمي عن “الدولة الاجتماعية” وترشيد النفقات، يظل الرأي العام بعيداً عن معرفة حجم الأموال التي تُوجَّه إلى قنوات أجنبية وشركات إنتاج دولية.
وهو ما يضع المؤسسات المشرفة على القطاع أمام سؤال الشفافية المرتبط بالحق في الوصول إلى المعلومة وتوضيح كيفية تدبير المال العام.
فهل العائد السياحي المتوقع من مثل هذه الحملات يبرر فعلاً هذه الاستثمارات الإعلامية، أم أن الأمر يتعلق أساساً بتحسين الصورة الخارجية دون أن ينعكس ذلك بشكل مباشر على واقع المهنيين في القطاع السياحي؟
وأمام هذا النقاش، يطرح سؤال مباشر نفسه: ألا تعلم الوزيرة أن المغرب أصبح اليوم من بين الوجهات السياحية المعروفة عالمياً، وأن جاذبيته لا تحتاج بالضرورة إلى المرور عبر الشاشة الفرنسية أو عبر نجوم الفرنكوفونية لتأكيدها؟ فالمملكة راكمت خلال السنوات الأخيرة حضوراً قوياً في الأسواق السياحية الدولية بفضل تنوعها الثقافي والطبيعي واستقرارها وتطور بنيتها السياحية.
لذلك يبدو النقاش اليوم أبعد من مجرد برنامج تلفزيوني؛ إنه يتعلق بكيفية تقديم المغرب لنفسه للعالم، وبمدى استقلالية خطابه الترويجي.
إن الإصرار على استنساخ نماذج ترويجية تعود إلى زمن التلفزيون الكلاسيكي يطرح تساؤلاً أوسع حول قدرة المؤسسات الوصية على مواكبة التحولات الرقمية في صناعة المحتوى السياحي.
فبينما تتجه العديد من الوجهات العالمية نحو استراتيجيات تعتمد على المنصات الرقمية وصناعة المحتوى المحلي والتجارب السياحية المباشرة، يبدو أن جزءاً من الترويج للمغرب ما زال يمر عبر الفضاء الإعلامي الفرنكوفوني، وهو ما يطرح سؤالاً حول مدى استمرار الاعتماد على هذه الوساطة الإعلامية في تقديم صورة المملكة للعالم.
إن القضية لا تتعلق بجمالية العروض الموسيقية التي ستُبث على الشاشات، بل بطبيعة “عقيدة الإنفاق” التي تؤطر هذه المبادرات الترويجية.
فالنجاح الحقيقي لأي سياسة سياحية لا يُقاس بعدد النجوم الذين يظهرون في البرامج التلفزيونية، بل بمدى قدرتها على خلق أثر اقتصادي فعلي داخل المنظومة السياحية الوطنية.
إن الرهان اليوم لا يكمن فقط في تحسين صورة المغرب خارجياً، بل أيضاً في تعزيز الشفافية حول كلفة هذه الحملات وإبراز جدواها الاقتصادية، حتى يتحول الترويج السياحي من مجرد صورة جذابة على الشاشة إلى قيمة مضافة يشعر بها المهني والمواطن على حد سواء.
