بدل أن يحمل وزير الصناعة والتجارة رياض مزور مظلة سياسية واقتصادية تحمي التجار والمهنيين المغاربة من رياح الأزمات المتلاحقة، اختار أن يطلق عبارة صادمة هزت الأوساط المهنية: “الأتراك طاحنينكم بخمسة لزيرو”.
جملة قصيرة في ظاهرها، لكنها كانت كفيلة بإشعال موجة من الجدل داخل قطاع يعيش أصلاً على إيقاع ضغوط اقتصادية متزايدة، من ارتفاع التكاليف إلى تراجع القدرة الشرائية وتوسع المنافسة الأجنبية.
بالنسبة لكثير من الفاعلين في السوق، لم يكن هذا التصريح مجرد تشبيه رياضي عابر، بل بدا وكأنه اعتراف رسمي بفجوة تنافسية عميقة، وربما أيضاً إقرار غير مباشر بعجز السياسات العمومية عن حماية النسيج التجاري الوطني.
لقد قرأ عدد من المهنيين في هذه الكلمات ما يشبه تحويل التاجر المغربي من ضحية لبيئة اقتصادية غير متكافئة إلى متهم بالفشل.
فالتاجر الذي يكافح يومياً للبقاء في سوق متقلبة، ويواجه في الوقت نفسه ثقل الجبايات، وتعقيدات المساطر الإدارية، وضغط القطاع غير المهيكل، كان ينتظر من الوزير خطاباً محفزاً أو رؤية إصلاحية واضحة، لا مقارنة قاسية مع نموذج اقتصادي آخر استطاع أن يبني قوته الصناعية والتجارية عبر سياسات دعم متواصلة ومخططات استراتيجية طويلة المدى.
وفي قلب هذا الجدل، يبرز سؤال بسيط لكنه حاد: إذا كان الأتراك قد سجلوا “خمسة لزيرو”، فمن الذي ترك المرمى الاقتصادي المغربي مفتوحاً؟ هل هو التاجر الصغير والمتوسط الذي يكافح في سوق محلية مضغوطة، أم السياسات العمومية التي لم تنجح بعد في خلق بيئة تنافسية متوازنة تحمي الفاعل الاقتصادي الوطني؟ إن المقارنة مع الاقتصاد التركي لا يمكن فصلها عن حقيقة أن هذا الأخير استفاد لعقود من سياسة صناعية قوية، ومن دعم واضح للمقاولات المحلية، ومن استراتيجية تصديرية واضحة المعالم.
هذا النقاش يأتي في لحظة حساسة، تزامناً مع اقتراب موعد منتدى التجارة الداخلية المرتقب تنظيمه يوم 31 مارس، وهو الموعد الذي كان يفترض أن يشكل فضاء للحوار حول التحديات البنيوية التي يواجهها القطاع التجاري في المغرب.
غير أن التصريح المثير للجدل أعاد توجيه النقاش من البحث عن حلول عملية إلى التساؤل حول طبيعة الخطاب الحكومي الموجه للتجار والمهنيين.
وفي هذا السياق، يرى عدد من الفاعلين في القطاع أن التحديات التي يعيشها التاجر المغربي لا يمكن اختزالها في مسألة “ضعف التنافسية” فقط، بل ترتبط أيضاً بعوامل هيكلية معقدة، من بينها تعقيدات الحصول على الرخص، وارتفاع تكاليف التشغيل، وثقل الأعباء الجبائية، إضافة إلى المنافسة غير المتكافئة مع القطاع غير المهيكل ومع شبكات التوزيع الكبرى.
وهي عوامل تجعل من الصعب تحميل التاجر وحده مسؤولية الاختلالات التي يعرفها القطاع.
وعليه، فإن محطة 31 مارس لم تعد مجرد لقاء تقني حول التجارة الداخلية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بين الحكومة والفاعلين الاقتصاديين.
فإما أن يكون المنتدى فرصة لإعادة بناء الثقة وطرح حلول واقعية تعزز تنافسية التجارة الوطنية، أو أن يتحول إلى مجرد محطة تواصلية أخرى لن تغير كثيراً من واقع قطاع يعيش بين ضغط السوق وتردد السياسات العمومية.
إن المهنيين اليوم لا ينتظرون من الوزير أن يكون معلقاً رياضياً يصف نتائج مباراة اقتصادية غير متكافئة، بل ينتظرون منه أن يكون مدرباً فعلياً يقود إصلاحات حقيقية، ويوفر للتاجر المغربي شروط المنافسة العادلة داخل سوق تتغير قواعدها بسرعة.
فالتاجر الذي يقف كل صباح خلف دكانه أو مشروعه الصغير لا يبحث عن مقارنة قاسية مع اقتصاد آخر، بل عن سياسات واضحة تمنحه فرصة حقيقية للصمود في مباراة اقتصادية أصبحت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
