لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب مجرد خبر اقتصادي عابر يمر في نشرات الأخبار، بل تحول إلى ما يشبه زلزالاً اقتصادياً صامتاً يضغط بقوة على القدرة الشرائية للأسر المغربية.
فالمازوط لم يعد مجرد وقود يحرك الشاحنات والحافلات، بل أصبح الوقود الذي يشعل نار الغلاء في كل زاوية من الاقتصاد.
ففي بلد يعتمد بشكل شبه كامل على النقل الطرقي لنقل السلع والمنتجات، يكفي أن يرتفع لتر الغازوال بدرهم واحد حتى تبدأ موجة ارتفاع تمتد من كلفة النقل إلى أسعار الخضر والفواكه والمواد الغذائية والخدمات، لتتحول قفة المغاربة إلى أول ضحية لأي تقلب في أسعار الطاقة.
ورغم أن التفسيرات الرسمية غالباً ما تربط زيادات أسعار المحروقات بتقلبات السوق الدولية والتوترات الجيوسياسية في مناطق إنتاج النفط، فإن كثيراً من المتابعين يرون أن هذا التفسير لا يعكس سوى جزء من الصورة.
فصحيح أن النفط سلعة عالمية وأن أي اضطراب في الشرق الأوسط أو في الممرات الحيوية للطاقة يمكن أن يرفع الأسعار في الأسواق الدولية، لكن السؤال الذي يتردد بقوة في النقاش العمومي هو: لماذا تنتقل زيادات السوق العالمية إلى الأسعار المحلية بسرعة كبيرة، بينما يبدو انخفاضها أبطأ عندما تتراجع الأسعار في الأسواق الدولية؟
هذا التساؤل يزداد حضوراً في ظل معطيات تشير إلى أن المغرب استورد خلال السنوات الأخيرة كميات مهمة من الغازوال من الأسواق الدولية، من بينها شحنات قادمة من روسيا بعد التحولات التي عرفتها تجارة الطاقة عالمياً وهو ما يعني أن جزءاً من هذه الواردات تم اقتناؤه في فترات سابقة وبأسعار مختلفة، الأمر الذي يدفع بعض المتابعين إلى التساؤل حول الآليات التي يتم عبرها تحديد الأسعار داخل السوق الوطنية، خاصة في ظل الحديث عن هوامش الربح التي تحققها الشركات العاملة في هذا القطاع الحيوي.
وتزداد حساسية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بالمخزون الوطني من المحروقات، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى أن المغرب يحتفظ عادة باحتياطي استراتيجي يكفي لعدة أشهر من الاستهلاك.
هذا المعطى يفترض نظرياً وجود هامش زمني يسمح بامتصاص الصدمات الدولية قبل أن تنعكس مباشرة على الأسعار في محطات الوقود.
غير أن ما يثير التساؤل لدى كثير من المتابعين هو السرعة التي تنتقل بها زيادات السوق الدولية إلى الأسعار الداخلية، في وقت يُفترض فيه أن يلعب هذا المخزون دور “صمام أمان” يخفف من وقع التقلبات العالمية على جيوب المواطنين.
غير أن النقطة الأكثر إثارة للنقاش في هذا الملف ترتبط ببنية الأسعار داخل المغرب نفسها، وهنا يبرز دور السياسة الضريبية التي تعتمدها الحكومة. فجزء مهم من ثمن المحروقات يتكون من رسوم وضرائب ثقيلة، مثل الضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة، وهو ما يجعل ارتفاع الأسعار لا ينعكس فقط على كلفة معيشة المواطنين، بل يؤدي أيضاً إلى ارتفاع المداخيل الجبائية المرتبطة بهذه المادة الحيوية.
وبهذا المعنى، تبدو الدولة في نظر عدد من المتابعين مستفيدة بشكل غير مباشر من هذا الارتفاع، إذ كلما ارتفعت أسعار الوقود ارتفعت معها أيضاً عائدات الضرائب المرتبطة به. هذه المعادلة فتحت نقاشاً واسعاً حول مدى الحاجة إلى آليات أكثر مرونة في السياسة الضريبية، مثل ما يعرف في بعض التجارب الدولية بـ“الضريبة المتحركة”، التي تسمح بتخفيف العبء الجبائي عندما ترتفع أسعار الطاقة بشكل كبير.
غير أن استمرار تطبيق نفس الحصة الضريبية في فترات الأزمات يثير تساؤلات لدى كثيرين حول التوازن المطلوب بين الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية وحماية القدرة الشرائية للأسر المغربية.
وفي خضم هذا الجدل، عاد إلى الواجهة أيضاً تصريح رئيس مجلس المنافسة أحمد رحو، الذي تحدث قبل أشهر عن احتمال وصول سعر الغازوال إلى مستويات قد تقارب 17 درهماً للتر في حال استمرار تقلبات السوق الدولية.
ورغم أن التصريح قُدم آنذاك في إطار قراءة استشرافية لمسار السوق، فإن بعض المتابعين اعتبروا أنه يثير سؤالاً أكبر حول الدور الذي يفترض أن تلعبه مؤسسة مكلفة بضمان المنافسة وحماية المستهلك.
ففي نظر هؤلاء، لا يقتصر دور مجلس المنافسة على قراءة الأرقام أو توقع اتجاهات السوق، بل يمتد أيضاً إلى مراقبة مدى احترام قواعد المنافسة وضمان عدم الإضرار بالمستهلك، خاصة في قطاع يهيمن عليه عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين الكبار.
يبقى المواطن المغربي هو الحلقة الأكثر هشاشة في هذه المعادلة. فكل ارتفاع في سعر المازوط يتحول بسرعة إلى ارتفاع في كلفة النقل، ثم إلى موجة غلاء تمس مختلف المواد والخدمات.
وبين سندان الضرائب ومطرقة السوق، تجد قفة المغاربة نفسها مرة أخرى في قلب معركة الأسعار، بينما يظل السؤال معلقاً: من يملك فعلاً القدرة على كبح هذا المسار الصاعد الذي يضغط على القدرة الشرائية للمواطنين يوماً بعد يوم؟
