لم يكن تصريح أحمد رحو الأخير حول أسعار المحروقات مجرد توضيح تقني عابر، بل كان تمريناً في تقديم مقارنة تبدو منطقية في ظاهرها، لكنها تفتقر إلى السياق الاقتصادي والاجتماعي الكامل.
فحين يخرج رئيس مؤسسة دستورية للحكامة ليؤكد أن سعر اللتر في دول أوروبية يصل إلى 20 درهماً، فإنه يقدم جزءاً من الصورة، دون أن يكتمل المعنى عند استحضار باقي المعطيات.
إن مقارنة سعر الديزل في باريس بسعره في الدار البيضاء، دون وضع مستوى الدخل في البلدين في نفس الميزان، تبرز مفارقة واضحة؛ فالـ20 درهماً في أوروبا تُؤدى من دخل يتجاوز في كثير من الحالات 16 ألف درهم، داخل منظومة توفر بدائل نقل عمومي وخدمات مرافقة، بينما الـ14 درهماً في المغرب تُقتطع من دخل لا يتجاوز في حدوده الدنيا 3000 درهم.
هنا لا يتعلق الأمر بمجرد مقارنة أسعار، بل باختلاف في القدرة على تحمّل الكلفة، وهو عنصر أساسي في أي تحليل اقتصادي متوازن.
والأكثر إثارة للنقاش في هذا السياق هو الاستناد المستمر إلى تقلبات السوق الدولية كعامل محدد، في مقابل غياب تفسير كافٍ لظاهرة “الصاروخ والريشة” التي يلمسها المستهلك؛ إذ ترتفع الأسعار بسرعة مع أي زيادة في السوق العالمية، لكنها تتراجع بوتيرة أبطأ حين تنخفض الكلفة دولياً.
هذا الاختلاف في سرعة التفاعل يطرح تساؤلات مشروعة حول كيفية انتقال الأسعار داخل السوق الوطنية.
وفي هذا الإطار، يبرز تصريح رئيس مجلس المنافسة بأن المجلس لا يتتبع الأسعار اليومية، بل يعتمد على تحليل المعطيات بشكل دوري.
وهو ما يفتح نقاشاً حول حدود الدور الرقابي في سوق يتميز بحساسية كبيرة وتأثير مباشر على القدرة الشرائية.
فحين يقتصر الدور على تتبع المؤشرات وتحليلها بعدياً، يصبح النقاش مطروحاً حول مدى فعالية التدخل في الزمن الاقتصادي الفعلي.
إن ربط الأسعار بالسوق الدولية يظل معطى أساسياً، لكنه لا يكفي وحده لتفسير ما يحدث داخل السوق الوطنية.
فبنية السوق، وهوامش الربح، ودرجة المنافسة، كلها عناصر تدخل في تشكيل السعر النهائي الذي يصل إلى المستهلك.
كما أن وضعية المخزون الاستراتيجي، وإن لم تكن محدداً مباشراً للأسعار وفق التصريحات الرسمية، تبقى عاملاً لا يمكن فصله عن النقاش العام حول أمن التزود واستقرار السوق.
في النهاية، لا تكمن الإشكالية في استحضار النموذج الأوروبي كمقارنة، بل في كيفية توظيفه. فحين يُستحضر السعر دون الدخل، والسوق دون القدرة الشرائية، تصبح المقارنة ناقصة.
ويبقى السؤال قائماً: هل يمكن اعتماد نفس مستويات الأسعار دون توفر نفس الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تبررها؟
