لم يعد القرار الحكومي القاضي بمنح إعانة مالية لتصدير الطماطم الطرية مجرد إجراء تقني لتشجيع الصادرات، بل تحول إلى مؤشر دال على اختيارات اقتصادية تثير نقاشاً متزايداً حول توازن السياسات العمومية.
ففي وقت يواجه فيه المواطن ضغوطاً متواصلة على قدرته الشرائية، يأتي تخصيص دعم مباشر يصل إلى 750 درهماً للطن المصدر نحو أسواق معينة ليطرح سؤالاً مشروعاً: هل يعكس هذا القرار أولوية للتصدير على حساب استقرار السوق الداخلي؟
في الظاهر، يندرج هذا التوجه ضمن منطق اقتصادي معروف يقوم على تعزيز الصادرات وجلب العملة الصعبة، خاصة في قطاع تُعد فيه الطماطم أحد أبرز أعمدته التنافسية.
غير أن هذا المنطق، حين يُطبَّق دون آليات واضحة لضبط التوازن الداخلي، قد يفضي إلى مفارقة لافتة: دعم عمومي يهدف إلى خلق قيمة خارجية، لكنه قد ينعكس بشكل غير مباشر على ديناميات العرض داخل السوق المحلي.
الحقيقة التي يفرضها هذا النقاش هي أن الدولة لا تدعم الطماطم لذاتها، بل تدعم ما تدرّه من عملة صعبة.
غير أن هذا التوجه، عندما لا يُواكَب بإجراءات تحمي التوازن الداخلي، قد يجعل القفة اليومية للمغاربة متغيراً ثانوياً داخل معادلة التصدير.
وهنا لا يتعلق الأمر باتهام بقدر ما هو توصيف لمسار اقتصادي يضع منطق الأسواق الخارجية في موقع متقدم ضمن سلم الأولويات.
المفارقة تزداد وضوحاً عندما نضع القرار في سياقه المالي.
فهذه الإعانات تُموَّل من ميزانية عمومية تعتمد، في جزء مهم منها، على الموارد الجبائية.
أي أن دافعي الضرائب يساهمون، بشكل غير مباشر، في تمويل سياسات قد تشجع توجيه جزء من الإنتاج نحو الخارج، في وقت يظل فيه السوق الداخلي عرضة لتقلبات العرض والطلب.
هذا لا يعني بالضرورة وجود علاقة ميكانيكية بين الدعم وارتفاع الأسعار، لكنه يفتح نقاشاً مشروعاً حول أثر هذه الاختيارات على التوازنات الداخلية.
وفي قطاع يتميز بتركيز ملحوظ للفاعلين الكبار في سلاسل التصدير، يظل سؤال توزيع الاستفادة مطروحاً بقوة: إلى أي حد يصل أثر هذا الدعم إلى الفلاحين الصغار والمتوسطين؟ أم أن بنيته العملية ترجح كفة الفاعلين الأكثر تنظيماً وقدرة على الولوج للأسواق الدولية؟
من زاوية أخرى، يكتسب النقاش بعداً أكثر حساسية في ظل الإجهاد المائي الذي تعرفه عدة مناطق فلاحية.
فدعم توسيع إنتاج موجه للتصدير في زراعة تُعد من الزراعات المستهلكة للمياه يثير تساؤلات تتجاوز الاقتصاد إلى الأخلاق التنموية: هل يمكن الاستمرار في رهان العملة الصعبة دون احتساب الكلفة البيئية على المدى البعيد؟
لا يكمن الإشكال في مبدأ دعم الصادرات في حد ذاته، بل في غياب توازن دقيق بين متطلبات التنافسية الخارجية وضمان استقرار السوق الداخلي.
فحين تصبح الطماطم، باعتبارها منتوجاً يومياً بسيطاً، موضوع سياسات دعم موجهة نحو الخارج، فإن النقاش لم يعد تقنياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بكيفية ترتيب الأولويات داخل نموذج اقتصادي يجد نفسه بين ضغط العملة الصعبة ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
يبقى النقاش مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه السياسات قادرة على خلق قيمة مضافة شاملة، أم أنها قد تعمّق، بشكل غير مباشر، الإحساس بأن كلفة بعض الاختيارات تُوزَّع بشكل غير متكافئ داخل المجتمع.
