مرة أخرى، تُخرج الحكومة من جعبتها نفس “الوصفة المستهلكة” لإطفاء حريق الأسعار الذي يلتهم الأخضر واليابس.
بلاغ 17 مارس ليس مجرد قرار تقني بضخ دعم “استثنائي” لمهنيي النقل، بل هو إعلان فعلي عن دخول المغرب عصر “اقتصاد المسكنات”، حيث تُعالج الأزمات الهيكلية بحقن “مورفين” مالية تُدفع من جيوب دافعي الضرائب لتستقر في حسابات كبار الفاعلين.
وبينما تُسوّق الحكومة لهذا الدعم كطوق نجاة لـ”القفة”، يطرح الواقع أسئلة حارقة: هل نحن أمام إنقاذ حقيقي للقدرة الشرائية أم أمام “مسرحية سياسية” توحي بالتحكم؟ ومن يحمي المواطن البسيط من جشع لا تلجمه “صدقات” الدولة، ومن سوق محروقات محصّن ضد الإصلاح والشفافية؟
لقد اختارت الحكومة المغربية أن تعيد تدوير نفس الصيغة التي استُنفدت صلاحيتها منذ أزمة 2022، وكأن الزمن الاقتصادي توقف عند حلول ترقيعية لا تلامس أصل الداء.
إن المثير للانتباه ليس حجم الدعم، بل محدودية المقاربة في التعاطي مع تقلبات الأسعار؛ فبدلاً من تقديم رؤية هيكلية، اختارت السلطة التنفيذية الهروب إلى الأمام عبر ضخ الأموال في جيوب “الوسطاء”، دون أن تجرؤ على فتح الصندوق الأسود: هوامش ربح شركات التوزيع، وغياب الشفافية في آليات التسعير، ومصير مصفاة “لاسامير” المهملة.
الواقع يقول إن هذا الدعم يمر عبر سلسلة طويلة من الفاعلين، وفي طريقه تضيع “البركة”.
الدولة تتدخل لحماية المهني، لكن من يحمي المستهلك من المهني نفسه؟ غياب آليات المراقبة الصارمة يجعل من هذا الدعم “شيكاً على بياض” لقطاعات ترفع الأسعار عند أول هزة دولية، ولا تخفضها بالوتيرة نفسها حتى مع تراجع الأسعار عالمياً.
إن الإصرار على هذه الآلية هو في جوهره تأجيل للنقاش الحقيقي، ووسيلة لتفادي الاصطدام بلوبيات المحروقات التي تقتات على غياب قواعد واضحة وشفافة.
هل أصبح استقرار الأسعار في بلادنا رهيناً فقط بقدرة الدولة على “الضخ المالي”؟ إن الارتهان لهذا الحل السهل يجعل الاقتصاد الوطني “مدمناً” على التدخل الحكومي، بدل أن ينمو في بيئة تنافسية سليمة.
قد يمنح قرار 17 مارس هدوءاً مؤقتاً، لكنه يترك السؤال معلقاً: إذا كان الدعم يعود مع كل أزمة كالبطل المنقذ، فلماذا تصر الأزمة على البقاء؟ الجواب بسيط ومؤلم: لأننا نعالج الأعراض ونرعى المرض.
والدولة التي تكتفي بإدارة آثار الأزمة بدل اقتلاع جذورها، هي دولة تؤجل الانفجار ولا تمنعه.
