في ظاهرها، تبدو المعطيات الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط حول الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك لشهر فبراير 2026 وكأنها تحمل مؤشراً إيجابياً: انخفاض سنوي في معدل التضخم بنسبة 0,6 في المائة.
رقم قد يُقرأ سريعاً على أنه بداية انفراج في الضغط المعيشي الذي يثقل كاهل الأسر المغربية منذ سنوات.
غير أن القراءة المتأنية لبنية هذه الأرقام تكشف أن الصورة أكثر تعقيداً من مجرد “تحسن تقني” في المؤشر العام؛ إذ نحن أمام مفارقة إحصائية لا تجد صدى واضحاً في الأسواق اليومية.
هذا التراجع السنوي، الذي يعود أساساً إلى انخفاض أسعار المواد الغذائية بنسبة 2,0 في المائة، يبدو في جوهره أقرب إلى تباطؤ رقمي منه إلى تحول فعلي في كلفة العيش.
فالمواطن لا يتفاعل مع متوسطات سنوية تُقارن بقمم تضخمية سابقة، بل مع فواتير أسبوعية تتغير بوتيرة أسرع.
وهنا تبرز مفارقة لافتة: فبينما تُظهر الأرقام الرسمية انخفاضاً سنوياً، تسجل المقارنة الشهرية (بين يناير وفبراير 2026) ارتفاعاً بـ0,5 في المائة، ما يعكس استمرار الضغط التضخمي على المدى القصير، وهو الإيقاع الذي يعيشه المستهلك فعلياً داخل “القفة”.
الأكثر دلالة هو ما يمكن وصفه بـ“إعادة تموضع” التضخم داخل سلة الاستهلاك. فقد برز ما يشبه “الثلاثي المر” (السمك وفواكه البحر بـ +4,5%، الفواكه بـ +2,1%، واللحوم بـ +1,6%)، وهي مكونات أساسية في الاستهلاك اليومي لا تملك الأسر هامشاً كبيراً للاستغناء عنها.
هذا التحول يعكس تضخماً انتقائياً يعيد توزيع الضغط بدل أن يخففه؛ إذ شملت الانخفاضات مواد أقل حضوراً في الإنفاق اليومي، بينما طالت الزيادات قلب المائدة المغربية، ما يجعل أثر “الانخفاض العام” محدوداً في التجربة المعيشية.
وينضاف إلى هذا المشهد عنصر لا يقل تأثيراً: ارتفاع أسعار المحروقات بنسبة 3,1 في المائة. فالمحروقات لا تمثل فقط بنداً مباشراً في الإنفاق، بل تُعد رافعة تضخمية غير مباشرة تمتد آثارها إلى النقل وسلاسل التوزيع والإنتاج.
وبذلك، فإن أي ارتفاع فيها لا يبقى معزولاً، بل يعاد ضخه في مختلف مفاصل الاقتصاد، مما يُضعف أثر أي تراجع جزئي في مؤشرات أخرى.
كما تعكس المعطيات تفاوتات مجالية واضحة، حيث سجلت مدن مثل وجدة وطنجة وتطوان زيادات ملحوظة، مقابل انخفاضات محدودة في مدن أخرى.
هذا التباين لا يعكس فقط اختلاف ديناميات الأسواق المحلية، بل يطرح أيضاً تساؤلات حول توازن السياسات الاقتصادية وقدرتها على ضمان عدالة مجالية في مواجهة الضغوط التضخمية.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن تباطؤ التضخم السنوي يظل مؤشراً مهماً على قدر من الاستقرار النسبي، حتى وإن لم ينعكس بشكل كامل على الواقع المعيشي للأسر. فالمؤشرات، بطبيعتها، تقيس المتوسطات، بينما تعيش الأسر تفاصيل يومية أكثر تعقيداً وانتقائية.
ما توحي به الأرقام لا يترجم بالضرورة إلى انفراج فعلي في كلفة العيش، بقدر ما يعكس مرحلة يعاد فيها تشكيل الضغط داخل سلة الاستهلاك فالتضخم لم يختفِ، بل غيّر موقعه.
وبين قراءة رقمية توحي بالتحسن وتجربة معيشية تواصل تسجيل الارتفاع في المواد الأكثر حساسية، يظل التحدي الحقيقي ليس فقط في تحسين المؤشرات، بل في إعادة التوازن داخل “القفة” نفسها.
لأن الاستقرار الاقتصادي، في نهاية المطاف، لا يُقاس بما تقوله المؤشرات فقط، بل بما يشعر به المواطن حين يواجه الأسعار، لا حين يقرأ الأرقام.
