لم يعد النقاش حول تعليمات وزارة الداخلية الموجهة لرؤساء الجماعات مجرد إجراء تقني لترشيد النفقات، بل تحول إلى تعرية واضحة لاختلال عميق في تدبير المال العام بالمغرب.
الحقيقة اليوم أننا أمام تقشف بـ”وجهين”: وجه صارم يُشهر سيف المنع في وجه المجالس الترابية لضبط لترات البنزين وفواتير الحراسة، ووجه ناعم يغمض العين عن مظاهر الإنفاق المرتفع داخل الإدارات المركزية.
هناك، في مكاتب مكيفة وصالونات القرار، تُصرف الملايير في صفقات تجهيز واقتناء سيارات وكراء أساطيل لا تغيب عنها كلفة “البرستيج”.
هذا “التقشف الانتقائي” يضرب في عمق شرعية أي إصلاح حقيقي. فكيف يمكن إقناع رئيس جماعة قروية بجدوى “شد الحزام”، وهو يرى صفقات كراء مركبات وتجديد أثاث إداري بمبالغ كبيرة تمر في صمت؟ إن حصر منطق النجاعة في المستوى المحلي وحده، وتصوير الجماعات كبؤر وحيدة للهدر، يخلق انطباعاً بأن المحاسبة تُفعّل حيث يسهل تطبيقها، بينما تظل مستويات أخرى بعيدة عن نفس الصرامة.
الواقع يكشف مفارقة واضحة: في الوقت الذي يُمنع فيه منتخبون من كراء سيارات لمستشارين دون مهام وهو إجراء سليم في مبدئه
تستمر في المقابل نفقات مرتبطة بدراسات واستشارات مكلفة لا ينعكس أثرها دائماً على أرض الواقع.
هذا التباين يوسع الفجوة بين خطاب الدولة وممارستها، ويجعل التقشف يبدو أحياناً وكأنه يُطبق بشكل غير متوازن، بدل أن يكون قاعدة موحدة تشمل الجميع.
وتزداد قوة هذه المفارقة حين تُترجم إلى أرقام.
فالمقارنة بين ميزانية “ندوة” أو “دراسة” تُنجز داخل مكتب دراسات في الرباط، وبين ميزانية “مسلك طرقي” في جماعة جبلية يُرفض بدعوى التقشف، تكشف بوضوح حجم الاختلال في ترتيب الأولويات.
هنا لا يتعلق الأمر فقط بالكلفة، بل بمنطق اتخاذ القرار نفسه، حيث تتحول الأرقام إلى مرآة تعكس تفاوتاً مجاليًا يصعب تبريره بخطاب الترشيد وحده.
ومع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية، تزداد حساسية هذا الوضع.
فبعض المجالس تسارع إلى تمرير نفقات وصفقات في لحظات أخيرة لترتيب التوازنات الداخلية، بينما تظل الرقابة في كثير من الأحيان محصورة في الجوانب المسطرية، دون الغوص في فلسفة الإنفاق وأثره الحقيقي على التنمية المحلية.
وهنا يتحول النقاش من مجرد احترام الإجراءات إلى سؤال أعمق: كيف تُصرف الأموال؟ ولمصلحة من؟
في العمق، لم يعد السؤال المطروح هو “من يُنفق أكثر؟”، بل “من يخضع فعلياً للمحاسبة؟”.
لأن أي حكامة لا توحد معايير الترشيد وتطبقها بوضوح على جميع مستويات القرار، تظل عرضة لفقدان الثقة.
فالعدالة في تدبير المال العام تبدأ من الأعلى، والنزاهة لا تتجزأ؛ إما أن يكون التقشف سياسة دولة تشمل الجميع، أو أنه مجرد خطاب لا يعكس كامل الواقع.
