لم يعد السؤال اليوم هو ماذا تفعل وزارة الشباب والثقافة والتواصل من أجل الشباب المغربي، بل كيف تُنفق الميزانيات باسمه.
فإعلان تنظيم “منتدى أثر شبكات التواصل الاجتماعي على الشباب” بميزانية تناهز 1.3 مليار سنتيم، لا يمكن قراءته كحدث عادي، بل كمؤشر على نمط تدبير قائم على كثرة “الأحداث” مقابل محدودية الأثر.
مفارقة لافتة أن يُصرف هذا المبلغ لمناقشة منصات رقمية يعيشها الشباب يومياً، في وقت يلجأ إليها كثيرون كمتنفس من واقع البطالة وانسداد الأفق.
كشفت المعطيات المتداولة عن تفاصيل لافتة: رحلات جوية لـ117 مشاركاً، أسطول “ليموزين” لكبار الضيوف، إقامة في فنادق 5 نجوم، عشاء “غالا”، وهدايا تذكارية… كل هذا من أجل مناقشة موضوع السوشل ميديا.
هنا يبرز السؤال: هل يحتاج الشاب الذي يواجه تحديات يومية إلى منتدى بهذا الحجم لفهم هذه الوسائل، أم إلى فرص عمل، وتكوين رقمي عملي، ودعم لمشاريعه؟
في المقابل، يفتح حجم هذا الغلاف المالي نقاشاً حول البدائل الممكنة؛ فمبلغ 1.3 مليار سنتيم كان بإمكانه، وفق تقديرات تقريبية، المساهمة في إحداث وتجهيز عدد مهم من فضاءات التكوين الرقمي أو دعم انطلاقة عشرات المبادرات المقاولاتية للشباب، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى البنيات التكنولوجية.
وهو ما يعيد طرح سؤال الأولويات في تدبير الموارد العمومية.
الأكثر دلالة أن هذا المنتدى يعكس توجهاً خلال ولاية الوزير بنسعيد، حيث برز حضور “سياسة الأحداث” مقابل محدودية الأثر في “سياسة البرامج”.
وفي هذا السياق، يرى متتبعون أن التركيز على التظاهرات والواجهات التواصلية قد يطغى أحياناً على الاستثمار في الحلول البنيوية، في ما يشبه نوعاً من “تجميل الواجهة” بدل معالجة العمق المرتبط بإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية.
كما لم يظهر بعد برنامج وطني واسع لتأهيل الشباب في المهن الرقمية، في وقت ما تزال فيه العديد من دور الشباب في حاجة إلى تحديث بنياتها وخدماتها.
إن تأثير السوشل ميديا اليوم لا يقتصر على التواصل، بل يمتد إلى تشكيل وعي شباب يقارن بين الفرص داخل المغرب وخارجه، ويطرح أسئلة متزايدة حول العدالة والآفاق.
وهذه الأسئلة لا تُجاب عنها بالفعاليات والبروتوكول، بل بسياسات عمومية فعالة تعيد الثقة. وبين منتدى بهذا الحجم المالي وواقع بطالة ممتد، يتجه النقاش نحو جوهر الاختيارات العمومية: هل نحن أمام سياسة شبابية تعالج التحديات البنيوية، أم أمام مقاربة تركز أكثر على الواجهة؟
قد لا يتوقف الشباب كثيراً عند مضامين هذه التظاهرات، بقدر ما ستظل عالقة في أذهانهم صورها؛ بين ليموزين تمرّ أمام أعينهم وواقع يومي يدفعهم للبحث عن فرصة قد لا تأتي، هنا أو خارج الوطن.
