يبدو أن الحكومة قررت أخيراً إشهار سلاح “الرقمنة والمراقبة اللصيقة” في تدبير كتلة الأجور، لكنها فعلت ذلك بمنطق “هندسة الأرقام” التي تغفل، إلى حد ما، البعد الإنساني داخل الإدارة.
فالمنشور الأخير لرئيس الحكومة لا يتحدث عن تطوير المورد البشري بقدر ما يركز على تأطيره وضبطه، حيث يُعامل الموظف ككلفة ميزانياتية يجب التحكم فيها لتوفير هوامش للاستثمار، وهو ما يعكس تحوّلاً في أولويات التدبير العمومي.
كما يوحي هذا التوجه بأن الحكومة تسعى إلى إعادة ترتيب نفقاتها في ظل محدودية الموارد، بدل البحث عن توسيع الوعاء المالي أو معالجة بعض الاختلالات البنيوية المرتبطة بالتحصيل.
وهنا تبرز زاوية نقاش لا تقل أهمية، ترتبط بمدى اتساق هذا التوجه مع باقي مستويات تدبير الموارد البشرية داخل الدولة.
فكيف يستقيم منطق البرمجة الثلاثية الصارمة وتحديد الحاجيات بدقة، مع استمرار دينامية التعيينات في المناصب السامية بوتيرة منتظمة تُصادق عليها المجالس الحكومية بشكل شبه أسبوعي؟ ففي الوقت الذي يُطلب فيه من القطاعات الوزارية ضبط كلفة الترقيات والتوظيفات بدقة زمنية ومالية، يلاحظ في مستويات عليا استحداث مناصب جديدة أو هياكل موازية، مرفوقة بتعويضات ووسائل اشتغال مهمة. هذا التباين يطرح تساؤلات حول طبيعة التوازن في تطبيق منطق الترشيد داخل مختلف مستويات الإدارة.
نحن هنا أمام ما يمكن تسميته بـ”إدارة بمستويين”؛ مستوى يخضع لمنطق المحاسبة الدقيقة والانضباط المالي، ومستوى آخر يتمتع بهوامش أوسع في اتخاذ القرار وتدبير الموارد.
ورغم أن اعتماد نظام معلوماتي مركزي والتبليغ الدوري يُعد خطوة إيجابية من الناحية التقنية، إلا أنه يطرح، من زاوية التدبير، سؤال المرونة داخل القطاعات الحيوية. فالتخطيط المسبق الصارم قد يحد من قدرة بعض القطاعات، كالصحة أو التعليم، على التفاعل السريع مع حاجيات مستجدة أو خصاص مفاجئ.
كما يطرح هذا التوجه تساؤلات أعمق حول كيفية توزيع كلفة التوازنات المالية.
فربط نفقات الموظفين ببرمجة متعددة السنوات قد يجعل أي تحسين في الأجور أو الترقيات رهيناً بهوامش محدودة سلفاً، وهو ما قد يعيد تشكيل طبيعة الحوار الاجتماعي مستقبلاً، خاصة في قطاعات تعرف ضغطاً متزايداً.
لا يبدو هذا المنشور مجرد إجراء تقني، بل يعكس توجهاً نحو تعزيز مركزية القرار المالي داخل الدولة، مع ما يرافق ذلك من إعادة ترتيب لأولويات تدبير الموارد البشرية.
غير أن نجاح هذا التوجه يظل مرتبطاً بمدى تحقيقه للتوازن بين متطلبات الانضباط المالي ومبادئ العدالة الإدارية داخل المرفق العمومي.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في ابتكار آليات رقمية لضبط نفقات الموظفين فقط، بل في صياغة عقد إداري جديد يربط بين الترشيد والفعالية، ويجعل من “شد الحزام” ثقافة مؤسساتية تمتد من قمة الهرم إلى قاعدته.
فبدون توحيد المعايير في تدبير الموارد البشرية، سيظل أي إصلاح ميزانياتي أقرب إلى عملية محاسباتية تقنية، تفتقر إلى البعد الاجتماعي وإلى الإحساس بالإنصاف داخل المرفق العمومي.
