في الوقت الذي لا تزال فيه جراح “النظام الأساسي” لم تندمل تماماً، وفي ظل أزمة ثقة خانقة بين القواعد التعليمية والمدبر المركزي، تعود وزارة التربية الوطنية، بقيادة الوزير برادة، إلى واجهة النقاش العمومي من خلال تنظيم النسخة الثانية من “المنتدى الوطني للمدرس”، في لحظة حساسة من مسار إصلاح المنظومة التعليمية.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر إعلامية أن الوزارة أطلقت صفقة وُصفت بـ”الباذخة” تتجاوز قيمتها مليار و600 مليون سنتيم، خُصص جزء مهم منها لتغطية لوجستيك الإيواء والإطعام في فنادق مصنفة لفائدة المشاركين.
هذا الرقم يثير انتباه المتابع للشأن التربوي، ليس لضخامته فحسب، بل لكونه يُوجَّه نحو جوانب تنظيمية، في وقت لا تزال فيه آلاف الحجرات الدراسية تواجه خصاصاً في الوسائل البيداغوجية، وتفتقر أحياناً إلى أبسط شروط الاشتغال اللائق.
إن تخصيص ميزانيات مهمة لحدث يمتد لأيام معدودة يفتح نقاشاً يتجاوز البعد التقني نحو سؤال الأولويات: بأي منطق تُوجَّه هذه الاعتمادات في قطاع يُسجَّل فيه خصاص في الموارد البشرية وتفاوت في البنيات التحتية؟ فبين واقع بعض المدرسين في المناطق النائية، وبين طبيعة الخدمات المرافقة لهذا المنتدى، تتشكل صورة توحي لدى جزء من الشغيلة التعليمية بأن كفة “التواصل” قد تتقدم أحياناً على منطق المعالجة الميدانية، وأن الاستثمار في الصورة يوازي، وربما يفوق، الاستثمار في شروط الفعل التربوي داخل الفصل.
وفي الوقت الذي يتم فيه تعبئة هذا الغلاف المالي لضمان جودة التنظيم، يبرز تساؤل حول كلفة الفرص الضائعة: فهذا المبلغ كان بإمكانه الإسهام في بناء وتجهيز وحدات مدرسية في مناطق معزولة، أو دعم تجهيزات رقمية لمؤسسات لا تزال تشتغل بوسائل تقليدية، أو حتى تسريع معالجة بعض الملفات العالقة التي تشكل مصدر توتر داخل القطاع.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بحجم الإنفاق، بل بكيفية توجيهه وأثره المباشر على جودة التعلمات.
كما يعيد هذا النوع من المبادرات إلى الواجهة نقاش “الاستدامة” مقابل “اللحظية”، حيث تُظهر تجارب سابقة أن عدداً من اللقاءات الكبرى ينتهي بانتهاء فعالياته، دون أن ينعكس بالضرورة على الممارسة اليومية داخل الأقسام.
فالتوصيات، مهما كانت أهميتها، تظل رهينة بآليات التتبع والتنزيل، في وقت يواجه فيه المدرس تحديات يومية مرتبطة بالاكتظاظ، وضغط البرامج، والحاجة إلى دعم تربوي ونفسي مستمر.
ويُطرح أيضاً سؤال معايير اختيار المشاركين في مثل هذه التظاهرات، ومدى قدرتها على عكس واقع الشغيلة التعليمية بكل تنوعها.
فانتقاء عيّنات محدودة للاشتغال في فضاءات مريحة قد لا يعكس بالضرورة تعقيد التجربة اليومية داخل المؤسسات التعليمية، خاصة في المناطق التي تعاني من هشاشة البنيات وقلة الموارد، وهو ما يفتح نقاشاً حول مدى تمثيلية هذه اللقاءات وحدود تأثيرها.
من جهة أخرى، يثير توجيه جزء من ميزانية التعليم نحو خدمات الإيواء والتموين تساؤلات مرتبطة بحكامة الإنفاق، خاصة في ما يتعلق بمدى انسجام هذه الاختيارات مع أولويات الإصلاح التربوي.
فإعادة توجيه جزء من هذه الموارد نحو تأهيل البنيات التكوينية التابعة للوزارة أو دعم التجهيزات البيداغوجية قد يطرح كخيار بديل ينسجم بشكل أكبر مع أهداف المنظومة.
إن “الدولة الاجتماعية” التي يتم التبشير بها لا تُقاس فقط بحجم المبادرات التواصلية، بل بمدى انعكاس السياسات العمومية على الواقع اليومي لنساء ورجال التعليم.
فإعادة الاعتبار للمدرس تمر عبر تحسين شروط اشتغاله، وتأهيل الفضاءات التعليمية، وتعزيز التكوين المستمر بمضامين وأثر ملموس، وليس فقط عبر لقاءات ظرفية مهما كانت أهميتها.
يبدو أن الرهان الحقيقي لا يرتبط بتنظيم تظاهرات كبرى بقدر ما يرتبط بمدى القدرة على تحويل الموارد المتاحة إلى أثر ملموس داخل الفصول الدراسية.
فانتظارات المدرس اليوم تتجاوز الرمزية والتقدير المعنوي إلى مطالب أكثر ارتباطاً بالإنصاف المهني وظروف العمل.
وبين من يرى في المنتدى فرصة للتفكير الجماعي، ومن يعتبره مؤشراً على اختلال في توجيه النفقات، تبرز تساؤلات حول مدى انسجام هذا الاختيار مع توجهات الوزير برادة في إصلاح القطاع، وحول ما إذا كانت “الصورة” قادرة فعلاً على مرافقة “الجوهر” أو تعويضه.
