في لحظة سياسية يُفترض فيها أن تتجه الأنظار إلى البرامج والتصورات الاقتصادية، يطفو على السطح داخل الحقل الحزبي نقاش من طبيعة مختلفة، يكشف في العمق عن بنية تتجاوز التنافس الحر لتلامس ما يمكن تسميته بـ”هندسة مسبقة” للنتائج.
فبينما تنشغل الخطابات الرسمية بتنميق الوعود حول “الدولة الاجتماعية”، تتشكل في الخلفية خرائط دقيقة لإعادة توزيع النفوذ، حيث تتحول الأحزاب من فضاءات لإنتاج الأفكار إلى آليات تقنية تُدبّر الوصول إلى المقاعد أكثر مما تُدبّر إنتاج البدائل.
إن لجوء فاعلين بارزين إلى الاحتماء بدوائر “مضمونة” وتجنب الحواضر الكبرى ذات التنافسية العالية، ليس مجرد ذكاء انتخابي، بل هو إقرار بتراجع الثقة في البرامج مقابل صعود منطق “الشبكات” و”الولاءات المحفظة”.
هذا الارتهان لا يتوقف عند حدود الجغرافيا، بل يمتد إلى استجداء “الضوء الأخضر” من وسطاء انتخابيين وأعيان محليين يمتلكون القدرة على الحشد الميكانيكي بعيداً عن أي إقناع سياسي.
هؤلاء الوسطاء أصبحوا هم “الأمناء العامين الفعليين” في دوائرهم، حيث يضطر القرار الحزبي المركزي للتفاوض معهم كـ”زبون” يبحث عن مقعد، بدلاً من قيادتهم برؤية تنظيمية مستقلة.
هذا التداخل يفرز نمطاً مزدوجاً من الممارسة: خطاب تحديثي يتغنى بالكفاءة والحكامة في الرباط، وآليات تعبئة تقليدية في الأقاليم تستثمر الهشاشة وتبادل المصالح، مما يحول البرنامج الانتخابي إلى “عنصر تكميلي” لا قيمة له أمام القدرة على الضبط الميداني.
ضمن هذه الدينامية، يبرز العزوف الانتخابي كمتغير وظيفي حاسم؛ فارتفاع نسب الامتناع عن التصويت ليس مجرد أزمة ثقة، بل هو “بيئة مثالية” لهندسة النتائج.
فكلما غاب “الناخب الحر”، زادت القيمة السوقية لـ”الكتلة الناظمة” التي يملكها الوجيه، مما يقلص هامش عدم اليقين ويجعل النتائج قابلة للتوقع بدرجة مرعبة.
إن هيمنة هذا التدبير الانتخابي الضيق تُفرغ النقاش العمومي من محتواه، وتعمق الفجوة بين “الزمن الاجتماعي” الضاغط بمتطلبات التضخم والبطالة، و”الزمن السياسي” المنشغل بترميم التوازنات الداخلية.
ولا يقف أثر هذه الهندسة عند حدود النتائج، بل يمتد لتعطيل “المصعد الاجتماعي الحزبي”؛ حيث تجد الكفاءات الشابة نفسها أمام أبواب موصدة لأن المقاعد “محجوزة” سلفاً لأعيان يضمنون “الرقم” لا “الفكرة”.
ومع استمرار هذا النمط، تدخل الأحزاب في حالة من “الشيخوخة السياسية” المبكرة، حيث تعيد إنتاج نفس الوجوه والآليات في مقابل مجتمع يتغير بوتيرة أسرع من قدرة الفاعل الحزبي على مواكبته، مما يخلق “استقراراً رقمياً” في البرلمان، لكنه يخفي وراءه “هشاشة سياسية” حادة في الشارع، غير قادرة على امتصاص الأزمات.
إن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد في صناديق أُفرغت من عنصر المفاجأة، بل في مدى قدرة “المجتمع الصامت” على كسر جدار اليقين الذي شيده الأعيان.
فالديمقراطية التي تُهندس في الكواليس قد تضمن استقرار المقاعد، لكنها تفقد تدريجياً القدرة على قيادة المستقبل، محولةً المشاركة السياسية إلى مجرد طقس جنائزي إجرائي بلا أثر ولا روح.
