حين تعود آليات الدعم… تعود معها نفس الأسئلة.
عودة الحكومة إلى تفعيل آلية دعم مهنيي النقل لا يمكن قراءتها فقط كإجراء تقني معزول، بل كمؤشر واضح على استمرار نفس المقاربة التي تراهن على الحلول المرحلية بدل معالجة جذور الإشكال البنيوي.
إعادة نفس النغمة حول “نجاح تجربة 2022” على لسان الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس، وربط هذا النجاح ببساطة المساطر الرقمية وسرعة الصرف، يطرح تساؤلات حول حدود هذا النجاح؛ فما قيمة جودة المنصة وسرعة الولوج للدعم إذا كان أثره المادي يظل غير واضح في كلفة المعيشة اليومية للمواطن؟ نجاح الآلية تقنياً لا يعني بالضرورة نجاحها اقتصادياً أو اجتماعياً، مادام المستهلك يواجه أسعاراً مرتفعة لا تعكس هذا الدعم بشكل ملموس.
وهو طرح يعكس مقاربة حكومية تعتبر أن استقرار النقل مدخل أساسي لضبط الأسعار، لكنه يظل محل نقاش في ظل محدودية الأثر الملموس.
الحكومة تؤكد، بلسان بايتاس، أن هذا الدعم “لا يستهدف المهنيين بشكل مباشر، بل المواطنين”، غير أن هذا الطرح النظري يصطدم بواقع معقد، حيث تظل انعكاسات هذه الملايير على كلفة المعيشة محدودة في نظر شريحة واسعة من المغاربة.
الفجوة التي تتشكل بين منطق “انتقال الأثر” عبر السوق وتجربة المستهلك اليومية، تعكس صعوبة تتبع مسار هذا الدعم داخل السوق، حيث تتداخل عدة عوامل، من بينها سلوك الفاعلين وهوامش الربح وآليات التسعير.
الممارسة الميدانية تشير إلى أن هذا الدعم قد يتحول إلى أداة لتخفيف الضغط عن فاعلين محددين وضمان استمرارية توازنات داخل السوق، أكثر من كونه رافعة مباشرة لحماية القدرة الشرائية.
هذه المقاربة التدبيرية تطرح بدورها تساؤلات حول مستوى التنافسية داخل سوق المحروقات، وحول كيفية تشكل الأسعار النهائية التي يتحملها المستهلك.
دعم النقل، بهذا المعنى، يبدو كآلية ظرفية للحد من انتقال صدمات السوق الدولية، دون أن تمتد بالضرورة إلى معالجة الآليات التي تضخم آثار هذه الصدمات على كلفة المعيشة.
الرهان اليوم يتجاوز مجرد تحسين شروط الولوج للدعم أو رقمنة المساطر، بل يكمن في إعادة طرح السؤال الجوهري حول كيفية تنظيم هذا القطاع الحيوي وضمان قدر أكبر من الشفافية في قواعد اشتغاله.
الاستمرار في نفس المقاربة دون فتح نقاش أوسع حول بنية السوق وآليات المنافسة، يجعل من أي دعم، مهما بلغت قيمته، عرضة لتأويلات متعددة، ويطرح تساؤلات حول مدى استفادة المواطن منه بشكل مباشر.
المواطن المغربي لم يعد يبحث عن “سهولة المساطر”، بل عن “سهولة العيش” التي تزداد تعقيداً مع كل دعم لا ينعكس بوضوح على كلفة الحياة اليومية.
فهل تتجه الحكومة نحو مراجعة قواعد اشتغال هذا القطاع، أم تواصل تدبيره بنفس الأدوات التي تثير هذا النقاش؟
