لم تعد حصيلة الولاية الحكومية الممتدة من 2021 إلى أفق 2026 تُقاس فقط بما تعلنه الأرقام والمؤشرات الرسمية، بل بما تعكسه من تحولات عميقة في فلسفة تدبير الدولة.
في هذا السياق، قدّم الدكتور علاء الدين بنهادي، في مداخلة تحليلية مطوّلة بثها عبر قناته الرسمية على منصة يوتيوب، قراءة تفكيكية لما وصفه بـ“التشريح المؤسساتي” لمسار السياسات العمومية خلال هذه المرحلة.
في تلك المداخلة، انطلق بنهادي من فرضية مركزية مفادها أن الاختيارات العمومية لم تُخفق فقط في تحقيق وعودها، بل أعادت ترتيب أولويات الفعل العمومي، حيث تم الانتقال بحسب تعبيره من منطق “الدولة الاجتماعية” إلى منطق “الدولة المحاسباتية”، التي تجعل من التوازنات المالية غاية في حد ذاتها، حتى وإن كان الثمن اجتماعياً مرتفعاً.
واستناداً إلى معطيات وتقارير صادرة عن مؤسسات وطنية، من بينها المندوبية السامية للتخطيط والمجلس الأعلى للحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إلى جانب مؤشرات مؤسسات مالية دولية، يبرز أن الفجوة بين الوعود الانتخابية لسنة 2021 وفي مقدمتها خلق مليون منصب شغل، وتعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح قطاعي الصحة والتعليم وبين النتائج المحققة، لم تعد ظرفية، بل تحولت إلى اختلال بنيوي يعكس طبيعة الاختيارات المعتمدة.
وفي تحليله لمسار المالية العمومية، أوضح المتحدث، خلال نفس المداخلة، أن خفض عجز الميزانية تم بكلفة اجتماعية مرتفعة، من خلال توسيع الاستدانة، والاعتماد على الضرائب غير المباشرة، وتقليص الدعم، وهو ما أدى، وفق هذا التقدير، إلى نقل عبء التوازنات المالية من الدولة إلى المجتمع، خاصة في ظل موجات تضخمية أثرت بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر.
عند قطاع الصحة، يتوقف بنهادي عند إحداث المجموعات الصحية الترابية باعتباره تحولاً عميقاً في طبيعة المرفق العمومي، مشيراً إلى أن هذه البنيات، بفعل استقلالها المالي، أصبحت مطالبة بالبحث عن موارد ذاتية، ما يُدخل منطق الكلفة داخل الخدمة الصحية، ويفتح المجال أمام تحميل المرتفقين أعباء متزايدة.
كما أشار إلى أن جزءاً كبيراً من تعويضات التأمين الصحي الإجباري يتجه نحو القطاع الخاص، في مقابل محدودية مساهمته في العرض الاستشفائي.
كما نبّه، في هذا السياق، إلى تداعيات نقل الأطر الصحية إلى هذه المنظومة الجديدة، معتبراً أن ذلك يطرح إشكالات مرتبطة بالاستقرار المهني، في ظل خصاص حاد في الموارد البشرية واحتقان نقابي متصاعد.
في قطاع التعليم، اعتبر المتحدث أن الإصلاحات المعتمدة لم تمس جوهر الأزمة، بل ركزت على مقاربات تقنية جزئية، من خلال تفويض عدد من الخدمات لفاعلين خواص، وهو ما يُعد مدخلاً لخصخصة غير مباشرة قد تؤدي إلى إنتاج تعليم بسرعات متفاوتة، تتحدد جودته وفق الإمكانيات المجالية والمالية.
ورغم توسيع مشاريع مثل “مدارس الريادة”، فإن الإشكالات البنيوية المرتبطة بالاكتظاظ وضعف البنيات التحتية وأزمة الموارد البشرية ما تزال قائمة.
اقتصادياً، تعكس المؤشرات وضعية توصف بهشاشة مغطاة بالأرقام، حيث يخفي تراجع عجز الميزانية تفاقماً في المديونية العمومية وارتفاع كلفة خدمة الدين، التي تستنزف موارد مالية كبيرة كان يمكن توجيهها للاستثمار الاجتماعي.
كما أن استمرار اللجوء إلى الاقتراض الخارجي يعكس ارتباطاً متزايداً بإكراهات المؤسسات المالية الدولية.
في سوق الشغل، أكد بنهادي أن وعد خلق مليون منصب شغل لم يتحقق، في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، مع محدودية أثر البرامج الحكومية التي ظلت، في نظره، ذات طابع مؤقت.
اجتماعياً، تكشف المعطيات عن تراجع مقلق في مستوى عيش الأسر، وارتفاع اللجوء إلى الاستدانة لتغطية النفقات الأساسية، مقابل ضعف الادخار.
كما أن التحول من دعم شامل للمواد الأساسية إلى دعم مباشر لم يشمل جميع الفئات المتضررة، خصوصاً الطبقة الوسطى الدنيا.
هذا التراكم في الاختلالات، كما يعكسه التحليل، لا يطرح فقط سؤال الحصيلة، بل يفتح نقاشاً أعمق حول اتجاه النموذج برمته، في ظل تزايد الفجوة بين المجتمع والمؤسسات.
وفي هذا الإطار، يؤكد بنهادي أن الاستقرار لا يُقاس فقط بالمؤشرات الاقتصادية أو بفعالية الضبط المؤسساتي، بل بمدى قدرة الدولة على إنتاج شعور جماعي بالعدالة والكرامة.
ومن هنا، يبرز ما وصفه بـ“الخيط الرفيع بين السلم والفوضى”، في إشارة إلى أن استمرار نفس الاختيارات، أو إعادة إنتاجها بوجوه مختلفة، قد يقود إلى مآلات غير محسوبة، خاصة في لحظة يصبح فيها الإحساس العام أن “السيف قد يسبق العدل”.
