لم تعد قصة “الساعة الإضافية” في المغرب مجرد نقاش موسمي حول ضبط عقارب الزمن، بل تحولت إلى مرآة تعكس توتراً عميقاً في علاقة القرار العمومي بالحياة اليومية للمواطنين.
تجاوز عتبة 90 ألف توقيع على عريضة رقمية تطالب بإلغاء هذا التوقيت ليس مجرد رقم عابر، بل تعبير واضح عن مزاج اجتماعي متنامٍ، يعكس صعوبة التكيف مع إيقاع زمني لا يبدو منسجماً مع الواقع المعيشي لشرائح واسعة من المجتمع.
كشفت مصادر مهنية أن مضامين العريضة ركزت على التأثيرات المباشرة لاعتماد الساعة الإضافية، خاصة ما يرتبط باضطراب الساعة البيولوجية، وتراجع جودة النوم، وانعكاسات ذلك على التحصيل الدراسي للتلاميذ والطلبة، فضلاً عن الضغط النفسي الذي يطال فئات واسعة من المواطنين.
غير أن أهمية هذه المعطيات لا تكمن فقط في بعدها الصحي والاجتماعي، بل في كونها تعيد طرح سؤال أعمق يتعلق بكيفية اتخاذ القرار العمومي وحدود انسجامه مع الحاجيات اليومية للمجتمع.
في المقابل، يستند الخطاب الرسمي إلى مبررات ترتبط بالنجاعة الاقتصادية، وترشيد استهلاك الطاقة، إضافة إلى ضرورة الحفاظ على قدر من الانسجام الزمني مع الشركاء الدوليين، خاصة في الفضاء الأوروبي.
غير أن هذه المقاربة، رغم وجاهتها التقنية، لم تنجح في بناء قناعة اجتماعية واسعة، وهو ما يكشف عن فجوة متنامية بين منطق المؤشرات الاقتصادية وإيقاع الحياة اليومية للمواطنين.
ضمن هذا النقاش، تبرز زاوية تحليلية لافتة ترتبط بطبيعة المستفيدين من هذا الاختيار الزمني.
فالتوقيت الصيفي، كما يرى عدد من المتتبعين، ينسجم بشكل أكبر مع إيقاع بعض الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالخارج، خاصة تلك التي تعتمد على تقليص الفارق الزمني مع الشركاء الأوروبيين، بما يسهل التواصل والمعاملات المهنية.
غير أن هذا التكيف مع متطلبات السوق يطرح، في المقابل، تساؤلات حول كلفته الاجتماعية، خصوصاً بالنسبة للأجراء والتلاميذ الذين يجدون أنفسهم أمام إيقاع يومي لا يعكس بالضرورة حاجياتهم البيولوجية أو الاجتماعية.
وبين متطلبات التنافسية الاقتصادية والحفاظ على التوازن المجتمعي، يطفو سؤال ضمني حول كيفية توزيع أثر السياسات العمومية: هل يتم بشكل متوازن بين مختلف الفئات، أم أن بعض الشرائح تتحمل كلفة أكبر من غيرها؟ هذا التساؤل يكتسب أهميته من كونه يتجاوز موضوع الساعة ليصل إلى جوهر العلاقة بين القرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
المفارقة أن هذا الجدل يتكرر بشكل شبه سنوي، بنفس الحدة تقريباً، ودون أن يفضي إلى مراجعات جوهرية في الاختيارات المعتمدة.
هذا التكرار لا يعكس فقط استمرار الخلاف، بل يطرح أيضاً إشكالاً مرتبطاً بآليات التفاعل مع النقاش العمومي، ومدى قدرة المؤسسات على التقاط التحولات في المزاج الاجتماعي وتحويلها إلى معطى مؤثر في صناعة القرار.
ولا يقف الأمر عند حدود الصحة أو التعليم، بل يمتد إلى الإيقاع العام للحياة اليومية، خاصة في فترات الصباح الباكر خلال فصل الشتاء، حيث يشتكي عدد من المواطنين من صعوبة التكيف مع بداية اليوم في ظروف زمنية غير مريحة، وهو ما يطرح بدوره أسئلة مرتبطة بجودة الحياة داخل الفضاءات الحضرية وشبه الحضرية.
في هذا السياق، تبرز العرائض الرقمية كآلية تعبير حديثة تعكس تحولات في أشكال المشاركة المجتمعية، غير أن فعاليتها تظل مرتبطة بمدى تفاعل المؤسسات معها.
فبينما تمنح هذه المبادرات شعوراً بالمشاركة، يظل أثرها محدوداً إذا لم تجد صدى داخل دوائر القرار، مما يعيد طرح سؤال الوساطة بين الدولة والمجتمع في سياق يتسم بتسارع التحولات الرقمية.
إن النقاش حول الساعة الإضافية لم يعد نقاشاً حول الزمن فقط، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين متطلبات الاقتصاد وحاجيات الإنسان.
لأن تدبير الوقت، في نهاية المطاف، لا ينفصل عن تدبير جودة العيش، ولا يمكن اختزاله في معادلات تقنية دون استحضار أثره المباشر على الحياة اليومية للمواطنين.
