بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الحديث عن استعدادات عيد الأضحى في المغرب مجرد نقاش موسمي حول “العرض والطلب”، بل تحول إلى اختبار حقيقي يكشف حدود نجاعة المخططات الفلاحية في إعادة التوازن إلى سوق يعيش على وقع اختلالات متراكمة بفعل الجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج.
وبينما تعلن وزارة الفلاحة عن إطلاق عملية مراقبة إناث الأغنام والماعز المخصصة للتوالد، يتجدد سؤال حارق في الشارع: هل نحن أمام خطوة عملية نحو إنقاذ القطيع الوطني، أم مجرد إعادة تقديم لسياسات لم تنعكس بعد بشكل ملموس على القدرة الشرائية للمواطن؟
في ظاهر الأرقام، يبدو أن الدولة اختارت ضخ موارد مهمة، حيث تم تخصيص حوالي 3 مليارات درهم لدعم مربي الماشية، مع قاعدة بيانات تضم أزيد من 32,8 مليون رأس وقرابة 1,2 مليون كساب. غير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، تطرح إشكالية جوهرية تتعلق بمدى عدالة التوزيع وفعالية الاستهداف.
فبينما يواجه الكساب الصغير في العالم القروي صعوبات يومية لتأمين الأعلاف، تبرز تساؤلات متزايدة حول استفادة فئات معينة من الفاعلين في السوق بشكل أكبر، في ظل غياب معطيات مفصلة حول أثر هذا الدعم على بنية الأسعار.
وفي هذا السياق، يأتي قرار مراقبة ومنع ذبح الإناث المرقمة كإجراء تقني يهدف إلى الحفاظ على “الرأسمال البيولوجي” وضمان استدامة القطيع.
غير أن تنزيل هذا القرار ميدانياً يصطدم بإكراهات واقعية، حيث يجد عدد من المربين أنفسهم مضطرين للتصرف في جزء من القطيع لتغطية التكاليف المرتفعة، وهو ما يفتح المجال أمام تصاعد دور الوسطاء داخل الأسواق، خاصة في فترات الذروة المرتبطة بعيد الأضحى.
ولا تقف الإشكالية عند حدود الإنتاج، بل تمتد إلى طريقة اشتغال السوق نفسها.
فالتجارب السابقة أظهرت أن أي خلل في مراقبة أسعار الأعلاف أو في سلاسل التوزيع يمكن أن يفرغ الدعم من مضمونه، حيث ترتفع الكلفة قبل أن تنعكس آثار الدعم على المستهلك النهائي.
وفي هذا الإطار، فإن الحديث عن مراقبة بائعي الأعلاف يظل رهيناً بمدى تفعيله الفعلي، خاصة وأن السوق أبان في أكثر من مناسبة عن قدرة على امتصاص الدعم دون أن ينعكس ذلك بشكل واضح على الأسعار.
إن تقديم الإحصائيات كدليل على تحسن الوضع يبقى قراءة رقمية لا تعكس بالكامل واقع السوق، حيث تظل القدرة الشرائية هي المؤشر الحقيقي لقياس نجاح هذه السياسات.
فالمغاربة لا يقيسون وفرة القطيع بعدد الرؤوس المصرح بها، بل بقدرتهم الفعلية على اقتناء الأضحية دون الوقوع تحت ضغط مالي كبير.
ومع اقتراب عيد الأضحى، تبرز هذه المرحلة كاختبار حاسم لمدى قدرة السياسات العمومية على استعادة التوازن داخل سوق حساس اجتماعياً واقتصادياً.
فبين دعم القطيع ومراقبة الأسواق، يبقى التحدي الحقيقي في ضمان وصول أثر هذه الإجراءات إلى المستهلك، وليس فقط تسجيلها ضمن المؤشرات الرسمية.
لم يعد الرهان اليوم مقتصراً على إعادة تكوين القطيع، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء الثقة داخل سوق فقد جزءاً من توازنه.
وبين الأرقام المعلنة وواقع السوق، يظل السؤال مفتوحاً: هل يدخل المغاربة عيد الأضحى هذه السنة بإحساس من الاستقرار… أم أن فاتورة الأضحية ستواصل الضغط على ما تبقى من القدرة الشرائية؟
