اختتمت، يوم الأحد، منافسات بطولة العالم لألعاب القوى داخل القاعة 2026، التي احتضنتها مدينة “تورون” البولندية، وسط تنافس عالمي قوي وتسجيل أرقام لافتة.
وبينما كانت عدسات العالم تتجه نحو هذا الحدث، اختار المغرب عن طواعية أو عن عجز أن يكتب فصلاً صادماً بـ”مداد الغياب”.
غيابٌ لم يكن تقنياً فحسب، بل بدا كإشارة مقلقة إلى اهتزاز “دبلوماسية المضمار” التي طالما شكلت إحدى أدوات القوة الناعمة للمملكة ومصدر حضورها في المحافل الدولية.
إن سياسة الكرسي الفارغ التي نهجتها الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى يصعب اختزالها في مجرد “خيار تقني”، بل تطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات القرار وسياقه.
فليس غريباً أن ينهزم بطلٌ في سباق، لكن غير المألوف هو أن تغيب مدرسة تاريخية عن محفل عالمي دون تقديم توضيح رسمي للرأي العام الرياضي.
هذا الصمت لا يمكن قراءته فقط كـ”رزانة” مؤسساتية، بل قد يُفهم كمسافة غير مبررة عن واجب التواصل، وهو ما يعيد طرح سؤال الحوكمة: هل تحول تدبير “أم الألعاب” إلى “علبة سوداء” تُدار بمنطق الكواليس المغلقة، بعيداً عن أعين التتبع والمساءلة؟
إن ما حدث في “تورون” قد لا يكون سوى جزء من صورة أوسع؛ فبينما تُصرف ميزانيات مهمة على مراكز التكوين والأنشطة الموازية، يظل السؤال قائماً حول المردودية الرياضية على المستوى الدولي.
الغياب عن بطولة العالم داخل القاعة يمكن قراءته كمؤشر على تعثر في منظومة الإعداد، وصعوبة في مجاراة الإيقاع العالمي الذي لم يعد ينتظر من يستند فقط إلى أمجاد الماضي.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذا الغياب عن النقاش الأوسع المرتبط بكيفية تدبير الموارد المالية داخل الجامعة، خاصة في ظل حجم الميزانيات التي تُرصد سنوياً لهذا القطاع، سواء في إطار الدعم العمومي أو برامج الإعداد والتكوين.
فحين يغيب الحضور في محفل عالمي بهذا الحجم، يصبح من المشروع طرح تساؤلات مشروعة حول مدى نجاعة صرف هذه الاعتمادات، وأين تتجلى انعكاساتها الفعلية على مستوى الأداء والنتائج.
إذ لا يتعلق الأمر فقط بأرقام في التقارير، بل بمدى تحويل هذه الموارد إلى إنجازات ملموسة تحفظ مكانة ألعاب القوى المغربية وتعيد لها إشعاعها الدولي.
وهنا تبرز أسئلة جوهرية: أين تتجلى الحكامة الجيدة؟ وكيف يُفعل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل قطاع يكتسي رمزية خاصة في الوجدان الرياضي الوطني؟
إن استعادة بريق ألعاب القوى المغربية لن تمر عبر الصمت أو الاكتفاء بتدبير الصورة، بل عبر مراجعة عميقة تعيد ترتيب الأولويات داخل المنظومة. فالجمهور المغربي، الذي يواكب ويدعم هذه الرياضة، يملك الحق في معرفة “لماذا غبنا؟”، ولماذا ترك المقعد فارغاً في موعد دولي بهذا الحجم.
لقد كانت “تورون” أكثر من مجرد بطولة؛ كانت مرآة عكست حاجة ملحة إلى وضوح أكبر في القرار والتواصل، قبل أن يتحول الغياب من استثناء عابر إلى واقع متكرر لا يثير حتى التساؤل.
