لم يعد خافياً أن ملف صيانة السيارات والشاحنات داخل عدد من الجماعات الترابية بجهة الدار البيضاء–سطات تجاوز طابعه التقني البسيط، ليصبح موضوع تساؤلات متزايدة حول طرق صرف المال العام وحدود فعالية آليات المراقبة.
فالمعطيات المتداولة مؤخراً، مدعومة بتقارير رقابية وملاحظات أثيرت خلال دورات رسمية، توحي بوجود اختلالات لا يمكن اختزالها في مجرد أخطاء تدبيرية معزولة، بل تعكس نمطاً يثير القلق بشأن حكامة هذا القطاع.
كشفت مصادر مهنية متطابقة أن التحقيقات الإدارية التي باشرتها السلطات المختصة لم تأتِ في سياق روتيني، بل جاءت على خلفية معطيات دقيقة رصدت تفاوتاً لافتاً بين النفقات المصرح بها في إطار صيانة الأسطول الجماعي، والوضعية الفعلية لعدد من العربات والآليات على أرض الواقع.
فقد سُجلت حالات لسيارات إسعاف وحافلات نقل مدرسي وآليات خدماتية ظلت في وضعية متدهورة أو خارج الخدمة، رغم إدراجها ضمن عمليات صيانة متكررة وبكلفة مالية وُصفت بالمهمة.
هذا التباين بين “المُصرّح به” و“المُنجز فعلياً” لا يطرح فقط إشكال النجاعة، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول طبيعة تدبير سندات الطلب (Bons de commande)، التي يفترض أن تضمن السرعة والمرونة في التدخل، لكنها قد تتحول، في غياب تتبع صارم، إلى آلية تثير شبهات اختلالات مالية، خاصة عندما يتعلق الأمر بنفقات متكررة مثل الزيوت وقطع الغيار والعجلات، وهي عناصر يصعب التحقق من أثرها بشكل مباشر بعد الاستعمال.
وفي هذا السياق، أوكلت لجان تقنية مختصة مهمة إجراء فحوصات ميدانية دقيقة للتحقق من مدى إنجاز الإصلاحات المصرح بها ومطابقتها للوثائق المحاسباتية.
غير أن النتائج الأولية، وفق مصادر مهنية، كشفت عن مؤشرات مقلقة، من بينها تسجيل تدخلات تقنية لا يوازيها أثر ميداني واضح، إلى جانب استمرار أعطاب تعود إلى ولايات انتدابية سابقة دون معالجة تُذكر.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن هذا الملف لا ينفصل عن ما يمكن تسميته بـ“الميكانيك السياسي”، حيث تتقاطع اعتبارات التدبير التقني مع توازنات محلية معقدة، تجعل من بعض الصفقات، رغم طابعها التقني، مجالاً لتداخل المصالح وتركيز التعامل مع فاعلين محددين بشكل متكرر، وهو ما يطرح أسئلة حول مدى احترام قواعد المنافسة وتكافؤ الفرص.
ولا تستبعد مصادر مهنية أن تفضي هذه التحقيقات إلى ترتيب مسؤوليات إدارية، وربما اتخاذ إجراءات قانونية في حال ثبوت خروقات في مساطر الإبرام والتنفيذ، خاصة في ظل تقاطع معطيات تقنية ومالية تعزز فرضية وجود خلل في منظومة التتبع والمراقبة.
ويأتي فتح هذا الملف في سياق أوسع يتسم بتشديد وزارة الداخلية لآليات الرقابة على الجماعات الترابية، خصوصاً في ما يتعلق بسندات الطلب، التي تظل، بحكم مرونتها الإجرائية، من أكثر المجالات حساسية وقابلية لإثارة الجدل، وهو ما يفرض إعادة النظر في طرق تدبيرها بما يضمن الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لا يتعلق الأمر فقط بآليات معطلة أو فواتير متضخمة، بل بمنظومة تدبير تحتاج إلى إعادة ضبط عميقة؛ منظومة قد تُصلح الأعطاب على الورق، لكنها تترك آثارها قائمة في الواقع، حيث تتحول الخدمة العمومية من حق مضمون إلى انتظار مفتوح على أعطاب لا تنتهي.
