بقلم: الباز عبدالإله
لم تكن المشاهد التي أعقبت التساقطات المطرية الأخيرة بساحة جامع الفنا مجرد لحظة عابرة فرضتها تقلبات الطقس، بل بدت وكأنها اختبار ميداني حاسم كشف، في ظرف وجيز، حدود اختيارات تهيئة رُصدت لها اعتمادات مالية ضخمة.
فحين يتحول فضاء مصنف ضمن التراث العالمي إلى تجمعات مائية واسعة بعد أمطار عادية، فإن السؤال لم يعد تقنياً صرفاً، بل أصبح سؤالاً في صميم تدبير المال العام: ماذا تحقق فعلياً من مشروع كلف نحو 16 مليار سنتيم؟
ما جرى لا يمكن فصله عن نمط يتكرر في عدد من المشاريع الحضرية، حيث تُمنح الأولوية للصورة البصرية على حساب الوظيفة الأساسية.
ففي الوقت الذي بدت فيه الساحة بحلة جديدة، كشفت التساقطات أن جزءاً من هذه الأشغال أقرب إلى “ماكياج حضري” يُجمل الواجهة أكثر مما يعالج عمق الإشكال، خصوصاً في ما يتعلق بتصريف مياه الأمطار.
وهو ما يعيد طرح تساؤلات دقيقة: هل تضمن دفتر التحملات الخاص بهذه الصفقة معايير تقنية صارمة تراعي هيدرولوجيا الساحة وطبيعة تربتها؟ أم أن التركيز انصب أساساً على الجودة البصرية للتبليط دون استحضار كافٍ للوظيفة؟
ولا يمكن قراءة هذه الوضعية بمعزل عن سياق أوسع يطبع تدبير عدد من الأوراش الكبرى، حيث تخضع في كثير من الأحيان لإيقاع زمني ضاغط، تفرضه رهانات تنظيم تظاهرات أو مواعيد رسمية، ما قد يدفع إلى تقديم منطق “الجاهزية السريعة” على حساب الاستدامة التقنية.
وبين منطق تسريع الإنجاز ومنطق جودة التنفيذ، تبرز الحاجة إلى إعادة التوازن، حتى لا تتحول المشاريع الحضرية إلى إنجازات ظرفية تفتقد للصلابة على المدى المتوسط والبعيد.
وإذا كان الواقع الحالي يطرح أسئلة حول الحاضر، فإن استحضار الذاكرة الحضرية للمدينة يكشف مفارقة لافتة؛ فمراكش، بتاريخها العريق، طورت منذ قرون أنظمة ذكية لتدبير المياه، من بينها “الخطارات” التي جسدت فهماً دقيقاً لطبيعة التربة وتدفق المياه وهو ما يجعل التساؤل مشروعاً اليوم: كيف تعجز مشاريع حديثة بميزانيات كبيرة عن تحقيق الحد الأدنى من النجاعة، في حين نجحت حلول تقليدية بإمكانيات بسيطة في تدبير هذا التحدي؟
تداعيات ما وقع لم تظل حبيسة الجانب التقني، بل امتدت لتشمل حركة الزوار والنشاط الاقتصادي داخل الساحة، كما انعكست على صورة فضاء يمثل إحدى أبرز واجهات المدينة على الصعيد الدولي.
وهو ما يعيد طرح سؤال الاستدامة، ليس فقط في هذا المشروع، بل في مجمل المقاربة المعتمدة في التهيئة الحضرية.
إن الرهان اليوم يتجاوز مجرد معالجة وضعية ظرفية، إلى ضرورة إرساء منطق الشفافية التقنية وربط الكلفة بالنتائج.
وفي هذا السياق، يبرز مطلب نشر خلاصات افتحاص تقني للرأي العام كمدخل أساسي لتوضيح مكامن الخلل، لأن المواطن لم يعد ينتظر توصيفات عامة، بل يبحث عن أجوبة دقيقة: ما الذي حدث؟ وما الذي يجب تصحيحه؟ وكيف سيتم ضمان عدم تكرار نفس الإشكالات؟
إن ما كشفته أمطار ليلة واحدة لا ينبغي اختزاله في واقعة عابرة، بل يجب أن يُقرأ كمؤشر يستدعي التقييم وإعادة النظر في منهجية إنجاز وتتبع المشاريع الكبرى.
فالتحدي لم يعد في إطلاق الأوراش، بل في ضمان قدرتها على الصمود أمام الواقع، حتى لا تتحول إلى مشاريع تختبر نفسها مع كل تساقط.
