بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد وصف “المرونة” الذي يطلقه صندوق النقد الدولي على الاقتصاد المغربي مجرد مؤشر تقني محايد، بل تحول إلى مدخل لنقاش أعمق حول طبيعة هذا النمو وحدود أثره الاجتماعي.
فالتقرير الأخير لمشاورات المادة الرابعة، رغم لغته الإيجابية وتوقعاته بنمو يناهز 5%، يضع في الآن ذاته سؤالاً جوهرياً: إلى أي حد تعكس هذه المؤشرات تحسناً فعلياً في معيش المواطنين؟
في الظاهر، تبدو الصورة متماسكة؛ استقرار نسبي في التضخم، واستمرار في دينامية الاستثمار، وتحسن في بعض القطاعات الحيوية.
غير أن هذه القراءة تظل ناقصة إذا لم تُستحضر معها تجربة المواطن اليومية، حيث لا يزال الإحساس بغلاء المعيشة وضغط التكاليف حاضراً بقوة، ما يعكس فجوة قائمة بين المؤشرات الكلية والواقع المعيشي.
وهنا يبرز تساؤل بسيط في صياغته، عميق في دلالته: هل يمكن إقناع رب أسرة يواجه لهيب أسعار المواد الأساسية بأن التضخم “تحت السيطرة” بمجرد أن الرقم الرسمي استقر في حدود 2%؟
المفارقة الأبرز هنا هي ما يمكن وصفه بـ“النمو محدود الأثر”، حيث يواكب تقدم المشاريع الكبرى والبنيات التحتية دينامية أقل وضوحاً على مستوى خلق فرص الشغل.
فبلد يستثمر في موانئ حديثة ومشاريع استراتيجية كبرى، يجد نفسه في مواجهة تحدٍ مستمر يتعلق بإدماج فئات واسعة، خاصة من الشباب، داخل سوق العمل. وهو ما يعيد طرح سؤال التوازن بين الاستثمار في “الحجر” والاستثمار في “البشر”.
وتتعمق هذه المفارقة حين نُدخل في المعادلة حجم القطاع غير المهيكل، الذي يظل خارج دينامية السياسات الاقتصادية الرسمية. فكل نمو “تكنوقراطي” لا يدمج هذه الكتلة الاقتصادية الواسعة يظل نمواً فوقياً، تتحقق ثماره أساساً داخل الدوائر البنكية والشركات الكبرى، بينما تبقى فئات واسعة خارج خارطة الأمان الاقتصادي.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن جزءاً من هذا النمو يظل مرتبطاً بعوامل ظرفية، وعلى رأسها الموسم الفلاحي.
فبلوغ نسب تقارب 5% خلال 2025 يرتبط جزئياً بتحسن التساقطات، ما يعيد إلى الواجهة إشكالية “ارتهان السماء”، حيث يظل الأداء الاقتصادي في جانب منه رهيناً بعوامل مناخية غير مستقرة. وهو ما يطرح تحدي الانتقال نحو نموذج أكثر صلابة، يفصل بين دينامية النمو وتقلبات المناخ، عبر تعزيز التصنيع والخدمات ذات القيمة المضافة.
في هذا السياق، يبرز دور القطاع الخاص كحلقة أساسية لم تستكمل بعد كامل إمكاناتها، إذ يظل جزء منه مرتبطاً بدينامية الطلب العمومي، بدل أن يتحول إلى محرك مستقل لخلق القيمة وفرص الشغل.
ولا يبدو أن توسيع الاستثمار العمومي وحده كافٍ لمعالجة هذا الاختلال، بقدر ما يطرح الأمر ضرورة تحرير المبادرة الخاصة من عوائق البيروقراطية ومناطق الريع، بما يسمح ببروز دينامية إنتاجية أكثر استقلالية وخلقاً للفرص.
ومع اقتراب استحقاقات كبرى، وعلى رأسها تنظيم كأس العالم 2030، تبرز فرصة اقتصادية مهمة قد تعزز أرقام النمو عبر ضخ استثمارات ضخمة في البنيات التحتية.
غير أن هذا الزخم يطرح، في المقابل، تساؤلاً مشروعاً: هل ستتحول هذه المشاريع إلى روافع حقيقية لخلق فرص الشغل وتمكين المقاولات الصغرى، أم ستظل مجرد “دفعة ظرفية” لقطاع البناء، تنتهي بمنشآت حديثة دون أثر مستدام على نسب البطالة؟
ولا يمكن قراءة هذا المسار بمعزل عن كلفة “السيادة الطاقية”، حيث يظل الاقتصاد المغربي معرضاً لتقلبات الأسواق الدولية، خاصة في ظل الاعتماد على واردات الطاقة.
فاستقرار التضخم يظل رهيناً بسياق دولي متقلب، وأي ارتفاع حاد في أسعار النفط قد يعيد الضغط على التوازنات، ويحد من أثر النمو المسجل.
كل هذه المعطيات تجعل من تقرير صندوق النقد الدولي ليس شهادة نهائية بقدر ما هو تشخيص مرحلي لاقتصاد يحقق تقدماً على مستوى المؤشرات، لكنه لا يزال في طور البحث عن صيغته الاجتماعية المتوازنة.
وبين دينامية الأرقام وحدود الأثر، يظل التحدي الحقيقي للمغرب في المرحلة المقبلة هو تجاوز منطق النمو الكمي نحو بناء أثر اقتصادي شامل.
إن الرهان في 2026 لم يعد في الحفاظ على ثقة المؤسسات المالية الدولية فقط، بل في تحويل “المغرب النافع” إحصائياً إلى “مغرب نافع” معيشياً، يمتد أثره من موانئ طنجة ومصانع القنيطرة إلى أبعد قرية في الأطلس.
فالنمو الذي لا ينعكس في فرصة عمل حقيقية أو تحسن في القدرة الشرائية، يظل نمواً للأرقام… لا للناس.
