بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد النقاش حول الحق في الحصول على المعلومات في المغرب مجرد تفصيل تقني داخل منظومة الحكامة، بل أصبح مرآة كاشفة لحدود الانتقال من “دولة النص” إلى “دولة الممارسة”.
فبين دستور يكرّس هذا الحق كأحد أعمدة الشفافية، وقانون تنظيمي (31-13) يؤطره، تبرز مفارقة واضحة: نصوص متقدمة تقابلها ممارسات لا ترقى دائماً إلى مستوى هذا الطموح.
في هذا السياق، تضع المؤشرات الدولية المغرب في موقع متوسط، بحصوله على 71 نقطة من أصل 150 في مؤشر “RTI Rating”، وهو مؤشر دولي يقيس جودة القوانين المنظمة للحق في الحصول على المعلومات، تشرف عليه منظمة “المركز من أجل القانون والديمقراطية” الكندية بشراكة مع “Access Info Europe”.
ويحتل المغرب، وفق هذا التصنيف، مرتبة في حدود 100 من أصل 141 دولة، ما يعكس موقعاً متأخراً نسبياً مقارنة بالمعايير الدولية، ويبرز حدود فعالية الإطار القانوني رغم وجوده.
غير أن الإشكال لا يكمن في الاعتراف بالحق، بل في شروط ممارسته.
فالمسار الحالي يفرض على طالب المعلومة تقديم معطيات شخصية مفصلة، والانتظار لآجال قد تمتد إلى عشرين يوماً، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً: هل الغاية هي تسهيل الوصول إلى المعلومات، أم تنظيمها داخل مساطر قد تحد من فعاليتها؟ خاصة في سياق رقمي أصبحت فيه سرعة المعلومة جزءاً من قيمتها.
وفي وقت تعتمد فيه بعض التجارب المقارنة آجالاً أقصر، أو مساطر استعجالية تتيح الرد خلال مدد وجيزة في بعض الحالات، يظل طول الأجل في المغرب مؤشراً على أن الولوج إلى المعلومة لم يتحول بعد إلى خدمة عمومية سريعة وفعالة.
وفي هذا الإطار، يبرز مفارقة أخرى لا تقل أهمية؛ إذ قطع المغرب أشواطاً في مجال “الإدارة الرقمية”، من خلال إطلاق منصات مخصصة لتلقي طلبات المعلومات، من بينها منصة Chafafiyia، غير أن هذه الأدوات تظل في كثير من الحالات محدودة الأثر.
فالرقمنة هنا تبدو تقنية أكثر منها وظيفية؛ إذ إن إحداث منصات إلكترونية دون مواكبة ذلك بتحول في الثقافة الإدارية يجعل من التكنولوجيا واجهة حديثة لممارسات تقليدية، حيث تظل المعلومة خاضعة لمنطق التحفظ بدل الإتاحة.
كما أن اتساع نطاق الاستثناءات، المرتبطة بمجالات مثل الأمن أو السياسات الاقتصادية والدبلوماسية، يطرح بدوره تحدياً على مستوى التوازن بين حماية المصالح العليا وضمان الحق في الوصول إلى المعلومات.
فحين تُصاغ هذه الاستثناءات بعبارات مرنة، فإنها قد تتحول إلى مجالات واسعة للتأويل، وهو ما قد يحد من فعالية هذا الحق في بعض الحالات. وتزداد حساسية هذا الإشكال عندما يتعلق الأمر بمعطيات ترتبط بتدبير الشأن العام، مثل بعض الملفات المتصلة بالصفقات العمومية أو آليات توزيع الدعم، حيث يؤدي التوسع في الاستثناءات الاقتصادية إلى تغذية الشكوك بدل تبديدها، ويجعل مطلب الشفافية أكثر إلحاحاً.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يبرز أيضاً ضعف نسبي في منظومة الجزاءات، حيث لا يقترن الامتناع غير المبرر عن تقديم المعلومات بعقوبات رادعة، وهو ما يجعل من احترام هذا الحق رهيناً أكثر بحسن تقدير الإدارة منه بإلزام قانوني صارم.
كما أن آليات الطعن، رغم تعددها، تظل محدودة الأثر، في ظل طبيعة التوصيات غير الملزمة الصادرة عن لجنة الحق في الحصول على المعلومات، وهو ما يقلص من فعاليتها في ضمان الإنصاف الإداري.
وفي جانب آخر، يتأثر أيضاً دور الفاعلين في مجال الرقابة المجتمعية، وعلى رأسهم الصحافة الاستقصائية، بطبيعة هذه القيود. فالمعلومة التي تصل بعد آجال طويلة تفقد جزءاً مهماً من قيمتها في السياق الإعلامي، وهو ما ينعكس على قدرة الصحافة على مواكبة القضايا الآنية وإثارة النقاش العمومي في توقيته المناسب.
فالمعلومة المتأخرة ليست دائماً معلومة عديمة الجدوى، لكنها في المجال الصحفي كثيراً ما تصل بعد أن تكون لحظة تأثيرها قد خفتت.
في المقابل، لا تزال المبادرة الاستباقية لنشر المعلومات محدودة، في غياب إلزام واضح يدفع الإدارات إلى تقاسم المعطيات بشكل دوري ومنهجي، وهو ما يُبقي العلاقة بين المواطن والإدارة في إطار تفاعلي بطيء، بدل نموذج قائم على الشفافية المسبقة.
إن الرهان اليوم لم يعد مرتبطاً بسن القوانين بقدر ما أصبح رهيناً بمدى تفعيلها بروحها، عبر تبسيط المساطر، وتقليص آجال الرد، وتوضيح نطاق الاستثناءات، وتعزيز استقلالية هيئات الطعن، وتوسيع النشر الاستباقي.
فالعبور الحقيقي نحو “دولة الممارسة” يقتضي تحولاً أعمق من مجرد تعديل قانوني؛ إنه يتطلب ترسيخ ثقافة إدارية جديدة قوامها أن المعلومة ليست امتيازاً تمنحه الإدارة، بل حقاً عاماً يرتبط بمبادئ الشفافية والمساءلة، وتموله في النهاية أموال دافعي الضرائب.
