تضع المعطيات الصادمة التي أوردها الصحافي عبد الوفي العلام، ضمن سلسلة تحقيقاته المنشورة بجريدة “ريحانة برس”، مدينة سلا في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية المرتبطة بتدبير العقار والتعمير، حيث لا تبدو المدينة استثناءً من ظاهرة الاستحواذ على “المنفعة العامة” بقدر ما تبدو إحدى أبرز واجهاتها الصارخة.
فبفعل موقعها الجغرافي وضغط التمدد العمراني القادم من الرباط، تحولت سلا إلى مجال خصب لنشاط شبكات متشعبة تضم وسطاء ومحامين وموظفين ومنتخبين، في منظومة تتداخل فيها المصالح وتتعقد فيها مسارات القرار بعيداً عن أعين الرقابة الفعالة.
إن المدينة كانت، ولا تزال، مسرحاً لعمليات تثير تساؤلات قانونية وأخلاقية جدية، من قبيل التقييدات الاحتياطية المشبوهة التي تُستعمل كوسيلة ضغط، أو منح تراخيص في ظروف تفتقر للشفافية، وهي ممارسات سبق أن نبهت إليها تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة لوزارة الداخلية.
هذه الاختلالات لا تقف عند حدود خروقات تقنية، بل تمتد لتفرز واقعاً عمرانياً مضطرباً تتحول فيه الأراضي المخصصة لخدمة المصلحة العامة إلى مشاريع سكنية مغلقة، في سباق مع الزمن يسبق أي تدخل رقابي، وهو ما يجسده بوضوح ملف “نور الدين الأزرق ومن معه” الذي امتد لأزيد من 15 سنة، مانحاً لهذا النموذج دلالة خاصة تتجاوز الحالة الفردية لتكشف عن “هندسة” متكاملة للاستحواذ.
وفي قلب هذا المسار، تبرز “تجزئة المالكي” بمنطقة سيدي موسى كنقطة تقاطع مأساوية بين التخطيط الحضري والواقع المفروض؛ فهذه المنطقة الاستراتيجية لم تكن مجرد وعاء عقاري عادي، بل فضاءً مبرمجاً لاحتضان مرفقين عموميين أساسيين: دار للولادة ومبنى إداري.
غير أن ما تحقق على الأرض كان مختلفاً تماماً، حيث تحولت التجزئة المنجزة في إطار الترخيص رقم 170/03 إلى عمارات سكنية، في تغيير يطرح علامات استفهام كبرى حول الجهات التي صادقت على وأد مرفق صحي حيوي وتعويضه بكتل إسمنتية.
فمثل هذا التحول لا يتم بقرار عابر، بل عبر مسار تقني وإداري دقيق، يمر حتماً عبر قنوات يفترض فيها حماية وظيفة الأرض لا إعادة توجيهها.
خلف هذا التحول العمراني، تبرز كلفة اجتماعية باهظة؛ فإحداث دار للولادة في حي شعبي كسيدي موسى لم يكن مجرد مشروع إضافي، بل ضرورة ملحة لتحسين الولوج للخدمات الصحية وتقليص نسب وفيات الأمهات والرضع.
واليوم، تضطر النساء الحوامل للتنقل الشاق نحو مستشفيات الرباط أو اللجوء للمصحات الخاصة، في سباق مع الزمن لا يحتمل التأجيل، حيث تتحول دقائق الطريق إلى مخاطرة حقيقية في الحالات الاستعجالية، بكل ما يرافق ذلك من أعباء مالية وضغط نفسي.
إن ضياع هذا المرفق هو ضياع لفرصة تنموية كانت ستخلق دينامية محلية وتوفر الأمان الصحي لآلاف الأسر، لكنها سحقت تحت عجلات الاستثمار العقاري الذي يعيد تشكيل المجال الحضري وفق منطق السوق وحده، بعيداً عن حاجيات الساكنة وفي عتمة موازين القوى التي تظل خارج دائرة الضوء.
وهكذا، لا يُعاد رسم المدينة فقط… بل يُعاد تعريف من يستحق أن يعيش فيها بشروط كريمة.
يتبع…
#
