لم يكن اعتلاء رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، اليوم الأربعاء، منصة المنتدى الوطني للمدرس مجرد محطة تواصلية عابرة، بل لحظة سياسية أعادت ملف التعليم إلى واجهة الخطاب الرسمي بلغة جديدة عنوانها “الإنصات” و“إعادة الاعتبار”.
غير أن هذا التحول في النبرة لا يمكن قراءته خارج سياقه الزمني، حيث يتقاطع مع مرحلة تقترب فيها البلاد من استحقاقات انتخابية، وهو ما يطرح، بهدوء، سؤال التوقيت: لماذا الآن؟
خلال السنوات الأخيرة، كان قطاع التعليم من أكثر الملفات التي عرفت توتراً ملحوظاً، على خلفية نقاشات حادة حول النظام الأساسي وسلسلة من الاحتجاجات التي عكست عمق اختلالات بنيوية داخل المنظومة.
وفي هذا السياق، تبدو العودة القوية اليوم لمفردات “الكرامة” و“الشراكة” بمثابة محاولة لإعادة بناء جسور الثقة مع فئة واسعة ومحورية داخل المجتمع.
لقد استعرض رئيس الحكومة أرقاماً لافتة: زيادات لا تقل عن 1500 درهم، وكلفة سنوية تقارب 17 مليار درهم، وميزانية قطاع بلغت نحو 90 مليار درهم سنة 2026.
وهي معطيات تعكس مجهوداً مالياً مهماً.
غير أن النقاش العمومي لم يعد يكتفي بحجم الاعتمادات، بل بات ينصبّ على سؤال الأثر: إلى أي حد تُترجم هذه الأرقام داخل الفصول الدراسية؟ وهل بدأت الأسر والتلاميذ يلمسون تحولاً فعلياً في جودة التعلمات؟
ما يلفت الانتباه في خطاب اليوم هو هذا الانتقال الواضح من مقاربة تقليدية مشبعة بالرهانات الإيديولوجية إلى مقاربة تقنية قائمة على المؤشرات والبرامج والأرقام.
فـ“مدارس الريادة” ومنطق قياس الأداء وتجويد النتائج تعكس توجهاً أقرب إلى المقاربة المقاولاتية في تدبير المدرسة العمومية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يمكن لقطاع بهذا العمق المجتمعي والتاريخي أن يُختزل في منطق النجاعة التقنية فقط، أم أن الإصلاح التربوي يظل، في جوهره، ورشاً مركباً تتداخل فيه القيم والاختيارات المجتمعية بقدر ما تتدخل فيه الأرقام والمؤشرات؟
يبدو تقديم المدرس كفاعل محوري في الإصلاح اختياراً منطقياً، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الاعتراف إلى شروط عمل مستقرة، وتكوين مستمر فعّال، ومكانة مهنية تعيد الاعتبار لدور الأستاذ داخل المجتمع.
فالثقة لا تُبنى فقط بالقرارات، بل باستمراريتها وبقدرتها على الصمود خارج لحظات الضغط.
وفي هذا الإطار، يُقدَّم برنامج “مدارس الريادة” كأحد رهانات المرحلة، مع حديث عن نتائج إيجابية وتوسيع تدريجي للتجربة.
غير أن تقييم هذه المبادرات يظل رهيناً بمدى تعميم أثرها، لا فقط داخل مؤسسات نموذجية، بل أيضاً في المدارس الهامشية التي تشكل الاختبار الحقيقي لأي إصلاح، حيث تظل الفوارق المجالية تحدياً صامتاً يقاوم لغة الأرقام، ويطرح بإلحاح سؤال الإنصاف بين تلميذ الحاضرة وتلميذ المناطق القروية.
إن الرهان على لغة الأرقام، مهما بلغت فصاحتها، يصطدم بواقع “الزمن المدرسي” الذي لا يتطابق بالضرورة مع “الزمن السياسي”. فبينما تبحث الحكومة عن نتائج سريعة تُعرض في المنتديات، يحتاج الإصلاح التربوي إلى نفس طويل يتجاوز المواعيد الانتخابية، ويمتد إلى معالجة الاختلالات العميقة التي تعيشها المنظومة.
كما أن هذا الرهان لا يمكن فصله عن وضعية الأسر، التي تجد نفسها اليوم أمام كلفة متزايدة للتعليم، بين المدرسة الخصوصية ودروس الدعم، في ظل تساؤل متزايد حول قدرة المدرسة العمومية على استعادة جاذبيتها، ليس فقط تربوياً، بل أيضاً اجتماعياً لدى الطبقة المتوسطة.
كما أن التحدي لا يرتبط فقط بإطلاق البرامج، بل بضمان استمراريتها.
فنجاح أي إصلاح لا يُقاس ببدايته القوية، بل بقدرته على الصمود وتجاوز تغير السياقات السياسية.
وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كانت هذه المشاريع تمثل خيار دولة طويل الأمد، أم أنها تظل مرتبطة بإيقاع مرحلة سياسية معينة.
الأكيد أن التعليم اليوم لم يعد مجرد قطاع اجتماعي، بل أصبح رهاناً سياسياً بامتياز، تتقاطع فيه رهانات الإصلاح مع سؤال الثقة العمومية.
فحين يعود هذا الملف إلى صدارة الخطاب الرسمي بهذه القوة، وفي هذا التوقيت بالذات، فإن الأمر يعكس أيضاً وعياً بأهميته داخل التوازنات المجتمعية.
قد لا يكون السؤال المطروح اليوم هو حجم ما صُرف على التعليم، بل ما إذا كان هذا الاستثمار قد بدأ فعلاً في إعادة بناء الثقة داخل المدرسة المغربية.
وبين خطاب يؤكد “الإنصات” وواقع لا تزال بعض تفاصيله قيد الاختبار، يبقى الرهان معلقاً على عنصر واحد لا يمكن تعويضه بالأرقام: المصداقية.
